الكاتب: د. عبد الرحيم الشويلي
في عام 3000، لم يعد الإنسان يأكل؛ صار يبتلع. اختفت المطابخ، وانقرضت الأطباق والملاعق، وأُغلقت آخر الأفران بوصفها منشآت غير اقتصادية. أمّا الجوع، فقد أصبح عطلًا برمجيًّا تعالجه كبسولة صغيرة، تؤمّن الطاقة والبروتين والشبع خلال ثوانٍ، من دون رائحةٍ تُغري، أو مذاقٍ يُربك، أو وقتٍ يُهدر.
في مركز «نوفا» للتغذية العصبية، كانت الباحثة إيفا-9 تعمل على اختراعٍ اعتبره زملاؤها ضربًا من الجنون: كبسولة الحنين. لم تكن تُشبع المعدة، بل تستدعي إلى الدماغ ذاكرة وجبةٍ لم يعد أحد يعرف كيف يصنعها.
سألها مساعدها الآلي «تيغ-42»: «ما جدوى استعادة مذاقٍ انقرض؟»
أجابت وهي تُحكم إغلاق الكبسولة الزرقاء: «لأن الجسد قد يكتفي بما يُبقيه حيًّا، لكن الإنسان يحتاج إلى ما يجعله يشعر بأنه حيّ».
لم يعلّق الآلي. لم تكن في برمجته خانةٌ لمثل هذه الإجابات.
في إحدى الليالي، تجاوزت إيفا حدود المنطقة الآمنة، ودخلت ما تبقّى من المدينة القديمة. بين الأبنية المتآكلة، عثرت على بابٍ نصف مطمور، دفعته بكتفها، فانفتح على عالمٍ لم تعرفه إلا في الأرشيفات المحظورة: مطبخ.
موقدٌ صدئ، وقدرٌ أسود، وأطباقٌ متراكمة، وملاعق بأحجام مختلفة، وكتاب طبخٍ أكلت الرطوبة أطرافه. مدّت أصابعها فوق الأشياء كأنها تتحسّس بقايا حضارةٍ لم تكن تتخيّل أنها ماتت بهذه البساطة.
أشعلت الموقد بصعوبة، وقطّعت ما عثرت عليه من خضار محفوظة في عبوة قديمة. احترق بعضها، والتصق بعضها بقاع القدر. سعلت، وضحكت، ثم فوجئت بدمعتين تنحدران على خدّيها. لم تفهم السبب؛ لم يكن في تعليمها العلمي تفسيرٌ لبكاء إنسانٍ بسبب وجبة.
وضعت الحساء في طبقٍ مشروخ، والتقطت ملعقةً ثقيلة. تذوّقت.
كان مالحًا أكثر مما ينبغي، وخشن المذاق، وبعيدًا عن أي وصفةٍ مثالية. ومع ذلك، أغمضت عينيها. شيءٌ ما في داخلها انفتح؛ دفءٌ غامض، وصورةُ بيتٍ لا تعرفه، وضحكةٌ بعيدة، ويدٌ تُقرّب إليها طبقًا ساخنًا. لم تكن ذكرياتها هي؛ كانت ذكريات البشر الذين سبقوها، وقد أيقظها مذاقٌ واحد.
فجأةً، اشتعل تحذيرٌ أحمر في عدستها الذكية:
«مخالفة جسيمة: تناول غذاء غير رقمي. وحدة الأمن في طريقها إليكِ».
رفعت إيفا رأسها نحو الباب. كان صوت المحرّكات يقترب. أمامها طبقٌ نصف ممتلئ، وملعقةٌ لم تُكمل دورتها الأخيرة.
ابتسمت، ثم فعلت ما لم تسمح به أيّ خوارزمية: أطفأت العدسة، وجلست لتُكمل وجبتها.
بعد دقائق، اقتحم رجال الأمن المكان. وجدوا الموقد باردًا، والقدر فارغًا، والطبق نظيفًا إلا من أثر ملعقة. أمّا إيفا، فلم يجدوها.
على الجدار، تركت رسالةً قصيرة بخطّ يدها:
«إذا أردتم اعتقالي، فابحثوا عن الجريمة في بطني؛ لقد أكلتُ شيئًا لا تستطيعون مصادرته».
وفي الصباح، صدر بيانٌ رسميّ يُعلن القضاء على آخر بؤرةٍ للتغذية غير الرقمية.
لكنّ البيان أغفل تفصيلًا صغيرًا: في أنحاء المدينة، بدأ آلاف البشر يبحثون عن ملاعقهم ا
لقديمة…!
بقلمي: د. عبد الرحيم الشويلي
![]()
