ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261017 WA0135

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل آدم واقفًا في منتصف الممر، والورقة بين أصابعه.

 

لم يعد يسمع صوت جهاز التكييف، ولا عقارب الساعة، ولا حتى صوت أنفاسه بوضوح.

 

كان ينظر إلى الجملة الأخيرة مرة أخرى.

 

“آدم ناصر ليس أول شخص يقرأ هذا الملف.”

 

لم تكن الجملة هي ما أخافه.

 

الذي أخافه فعلًا هو الاسم الذي كُتب قبلها في الورقة.

 

اسم يعرفه.

 

اسم لم يكن من المفترض أن يكون له أي علاقة بملف يوسف مراد.

 

أعاد آدم الورقة إلى مكانها داخل الملف، وأغلقه.

 

ثم فتح هاتفه.

 

ظل إصبعه فوق اسم ليان لثوانٍ.

 

كان يمكنه الاتصال بها.

 

كان هذا هو التصرف الطبيعي.

 

لكن آدم لم يكن يبحث عن التصرف الطبيعي.

 

كان يبحث عن التصرف الصحيح.

 

نظر إلى الساعة.

 

10:34 مساءً.

 

ثم رفع عينيه نحو غرفة الأرشيف القديمة.

 

الباب كان مغلقًا.

 

اتجه إليه.

 

كانت الغرفة مهجورة منذ سنوات، ولم يعد أحد يستخدمها إلا لحفظ السجلات التي انتهت مدة العمل بها.

 

أخرج آدم المفتاح الرئيسي الذي يحتفظ به العاملون في القسم، وأدخله في القفل.

 

تردد قبل أن يدير المفتاح.

 

ثم فتح الباب.

 

استقبله هواء بارد ورائحة أوراق قديمة.

 

أضاء المصباح.

 

ظهرت أمامه رفوف طويلة ممتدة حتى نهاية الغرفة.

 

كانت الملفات مرتبة حسب السنوات، وكل مجموعة تحمل رمزًا خاصًا.

 

تقدم آدم ببطء.

 

كان يعرف أين يجب أن يبحث.

 

سبعة عشر عامًا إلى الوراء.

 

بدأ يمرر يده على ظهور الملفات.

 

2007.

 

2008.

 

2009.

 

توقف.

 

وجد القسم المطلوب.

 

بحث عن اسم يوسف مراد.

 

لم يجده.

 

بحث عن رقم الملف الذي ظهر في السجل.

 

وجد مكانه.

 

لكن الملف لم يكن موجودًا.

 

كان هناك فراغ بين ملفين.

 

فراغ صغير.

 

منظم.

 

كأن أحدهم أخرج ملفًا واحدًا ثم أعاد ترتيب كل شيء بعناية.

 

اقترب آدم أكثر.

 

على الرف، خلف الملفات مباشرة، وجد خدشًا جديدًا في الخشب.

 

مرر إصبعه فوقه.

 

كان الخشب ما زال خشنًا.

 

حديثًا.

 

قال بصوت منخفض:

 

“حد كان هنا.”

 

ثم انتبه إلى شيء آخر.

 

على الأرض أسفل الرف كانت هناك ذرات تراب رمادية، لكنها لم تكن من النوع الموجود في الغرفة.

 

انحنى والتقط بعضها بين أصابعه.

 

ثم نظر إلى حذائه.

 

لم يكن التراب قادمًا من الخارج.

 

كان مصدره شيئًا آخر.

 

أعاد النظر إلى الرف.

 

وجد في نهايته ظرفًا أبيض صغيرًا.

 

سحبه.

 

لم يكن عليه اسم.

 

فتح الظرف.

 

كانت بداخله صورة أخرى.

 

هذه المرة لم يكن يوسف مراد وحده.

 

كان يقف بجوار شخص آخر.

 

آدم اقترب من الصورة.

 

عرف يوسف فورًا.

 

أما الشخص الثاني فاحتاج إلى ثوانٍ حتى يتأكد.

 

ثم شعر بشيء بارد يسري في صدره.

 

كان الرجل هو نفسه صاحب الاسم المكتوب في الورقة.

 

الرجل الذي لم يكن ينبغي أن يظهر هنا.

 

لكن الصورة كانت تحمل تاريخًا واضحًا.

 

قبل اختفاء يوسف بثلاثة أيام.

 

قلب آدم الصورة.

 

وجد خلفها عنوانًا مكتوبًا بخط اليد.

 

عنوان لمبنى قديم في الطرف الشرقي من المدينة.

 

وتحته ساعة واحدة فقط:

 

“11:40”

 

لا تاريخ.

 

لا تفسير.

 

لا شيء آخر.

 

نظر آدم إلى الساعة في هاتفه.

 

10:41.

 

بقيت أمامه تسع وخمسون دقيقة.

 

أعاد الصورة إلى الظرف، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب.

 

في طريقه إلى مكتبه، توقف فجأة.

 

كان هناك شيء لا يتفق مع ما رآه.

 

عاد بذاكرته إلى الصورة الأولى.

 

ثم الثانية.

 

ثم إلى الجملة المكتوبة خلف الصورة.

 

“لا تبدأ من يوم اختفائي.”

 

إذا كان يوسف قد اختفى منذ سبعة عشر عامًا، فلماذا كانت هناك صورة جديدة نسبيًا داخل ملف قديم؟

 

ولماذا ظهر فيها شخص لم يكن اسمه موجودًا في السجلات؟

 

ولماذا ترك شخص ما كل هذا في طريقه هو تحديدًا؟

 

وصل إلى مكتبه.

 

وضع الملف أمامه.

 

لم يتصل بليان.

 

بدلًا من ذلك، فتح قاعدة البيانات الداخلية وبحث عن اسم الرجل الموجود في الصورة.

 

ظهرت نتيجة واحدة.

 

توقف آدم عن التنفس لثانية.

 

ثم ظهرت صفحة البيانات كاملة.

 

الاسم.

 

تاريخ الميلاد.

 

الوظيفة.

 

ثم خانة الحالة.

 

قرأها مرة.

 

ثم أعاد قراءتها.

 

كان مكتوبًا:

 

“متوفى.”

 

أسفلها مباشرة ظهر تاريخ الوفاة.

 

قبل سبعة عشر عامًا.

 

آدم لم يتحرك.

 

نظر إلى الصورة الموجودة أمامه.

 

الرجل الذي قيل إنه مات قبل سبعة عشر عامًا كان يقف بجوار يوسف مراد قبل اختفاء يوسف بثلاثة أيام.

 

هذا وحده كان غريبًا.

 

لكن الأمر أصبح أسوأ عندما فتح آدم سجل الوفاة.

 

كان هناك توقيع الطبيب.

 

وتوقيع الموظف المسؤول.

 

وتوقيع شاهدين.

 

كل شيء رسمي.

 

كل شيء مكتمل.

 

إلا شيئًا واحدًا.

 

تاريخ الوفاة كان يسبق تاريخ الصورة.

 

بيومين.

 

أمسك آدم القلم.

 

كتب في دفتره:

 

“الصورة مؤرخة بعد وفاة الرجل بيومين.”

 

توقف.

 

ثم أضاف:

 

“أو أن التاريخ ليس تاريخ الصورة.”

 

ظل ينظر إلى الجملة.

 

هذه المرة شعر أن الأمر لم يعد مجرد ملف مفقود.

 

هناك شخص ما كان يريد منه أن يخطئ في فهم الأدلة.

 

وهذا يعني أن كل دليل سيظهر أمامه من الآن فصاعدًا قد يكون صحيحًا.

 

لكن تفسيره له قد يكون خاطئًا.

 

رن هاتفه.

 

كانت ليان.

 

نظر إلى اسمها طويلًا.

 

ثم أجاب.

 

“أيوه.”

 

جاء صوتها هادئًا، لكنه لم يكن طبيعيًا.

 

“أنت لسه في الأرشيف؟”

 

“آه.”

 

صمتت لحظة.

 

ثم قالت:

 

“ما تروحش أي مكان.”

 

استقام آدم في مقعده.

 

“ليه؟”

 

“لأن فيه حاجة حصلت وأنا ماشية.”

 

انتظر.

 

لم تكمل.

 

قال آدم:

 

“إيه اللي حصل؟”

 

سمع صوت أنفاسها.

 

ثم قالت:

 

“حد سألني عنك.”

 

“مين؟”

 

سكتت.

 

ثم جاء صوتها أخفض من قبل:

 

“الشخص اللي سألني… كان معاه صورة ليك.”

 

انقطعت المكالمة.

 

نظر آدم إلى هاتفه.

 

ثم إلى الملف.

 

وببطء، أدرك أن الصورة التي يحملها ليست الشيء الوحيد الذي تم تركه له.

 

كان هناك شيء آخر على مكتبه.

 

ظرف أسود لم يره عندما جلس.

 

اقترب منه.

 

لم يلمسه.

 

كان الظرف مغلقًا.

 

وعلى وجهه كُتب بخط واضح:

 

“إلى آدم ناصر.”

 

وتحت الاسم مباشرة:

 

“لا تفتح هذا قبل الساعة 11:40.”

 

رفع آدم عينيه إلى الساعة.

 

10:47.

 

وفي اللحظة التي كان يحاول فيها أن يفهم كيف دخل الظرف إلى مكتبه، انطفأت أنوار الطابق الثالث بالكامل.

 

وفي الظلام، جاء صوت ورقة تُسحب ببطء من داخل الظرف.

 

ثم توقف الصوت.

 

قبل أن يلمسه آدم.

 

انتظروا الجزء القادم

 

غمضة:

 

“كان أمام آدم ثلاثة وخمسون دقيقة حتى موعد فتح الظرف… لكن الشيء الذي لم يعرفه بعد أن شخصًا آخر كان ينتظر الموعد نفسه.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *