الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يكن آدم ناصر يحب الأشياء التي لا يمكن تفسيرها.
منذ سنوات طويلة، كوّن لنفسه عادة غريبة أثناء عمله؛ إذا وجد ورقة بلا تاريخ، بحث عن تاريخها. وإذا وجد اسمًا بلا عنوان، بحث عن صاحبه. وإذا ظهرت معلومة لا تتفق مع بقية المعلومات، لم يكن يتجاوزها باعتبارها خطأً عاديًا.
كان يؤمن أن الأخطاء الصغيرة هي أكثر الأشياء التي تستحق الانتباه.
لأن الخطأ الصغير، في بعض الأحيان، لا يكون خطأً على الإطلاق.
كان آدم في الثانية والثلاثين من عمره، يعمل باحثًا في الأرشيف المركزي للمدينة. لم يكن ضابط شرطة، ولم يكن محققًا بالمعنى المعروف، لكنه قضى ما يقرب من تسع سنوات بين الملفات القديمة والسجلات التي لا يهتم بها أحد.
كان يعرف كيف يبحث.
ويعرف أكثر كيف يلاحظ الأشياء التي لا يبحث عنها الآخرون.
وفي مساء ذلك اليوم، كان يعمل وحده تقريبًا في الطابق الثالث من مبنى الأرشيف.
وضع أمامه مجموعة من الملفات، وأخذ يقارن بين تواريخها واحدًا تلو الآخر.
مد يده إلى كوب القهوة، ثم توقف قبل أن يرفعه.
نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط.
10:21 مساءً.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“أنا كده هبات هنا.”
جاءه صوت من خلف الباب:
“وأنت اللي بتقول كل يوم إنك هتمشي بدري.”
رفع آدم عينيه.
كانت ليان واقفة عند الباب.
ليان سامح، في التاسعة والعشرين من عمرها، تعمل في القسم نفسه منذ أربع سنوات. لم تكن تشبه آدم في طريقة عملها.
آدم كان يبحث عن الأشياء التي لا تتفق مع المنطق.
أما ليان فكانت تبحث عن الأشياء التي لا تتفق مع البشر.
كانت تلاحظ نبرة الصوت، نظرة العين، التردد قبل الإجابة، واللحظة التي يقرر فيها شخص ما أن يخفي شيئًا.
ولهذا كان الاثنان، رغم اختلافهما، يعملان معًا بشكل جيد.
قال آدم:
“أنا قربت أخلص.”
دخلت ليان وألقت ملفًا على الطاولة.
“قلت لك قبل كده إن كلمة قربت دي عندك معناها ساعة.”
ضحك آدم.
“المرة دي بجد.”
نظرت إلى الملفات أمامه.
“بتدور على إيه؟”
“مراجعة سجلات قديمة.”
“ده واضح.”
سحب آدم أحد الملفات ناحيته.
“فيه أرقام مش متطابقة.”
اقتربت ليان.
“فرق قد إيه؟”
“صفحتين.”
نظرت إليه باستغراب.
“عشان صفحتين قاعد لحد الساعة عشرة ونص؟”
“لو الصفحتين مش موجودين من الأساس، آه.”
لم تجبه ليان فورًا.
مدت يدها إلى الملف وفتحته.
قلبت عدة صفحات.
“إيه اللي ناقص؟”
أشار آدم إلى رقم مكتوب في أعلى إحدى الصفحات.
“ده رقم الملف.”
ثم أشار إلى الصفحة التالية.
“وده رقم الملف اللي بعده.”
نظرت ليان إلى الرقمين.
ثم قالت:
“وإيه المشكلة؟”
“المشكلة إن الملف اللي بين الاتنين مش موجود.”
رفعت عينيها إليه.
“يمكن اترفّع من الأرشيف.”
“ممكن.”
“أو اتحفظ في مكان تاني.”
“ممكن.”
“أو حصل خطأ في الترقيم.”
ابتسم آدم.
“وده أكتر احتمال منطقي.”
سكتت ليان.
ثم قالت:
“بس أنت مش مقتنع.”
لم يجبها.
لأنها كانت تعرفه جيدًا بما يكفي لتعرف أن صمته يعني نعم.
أعاد آدم ترتيب الأوراق.
“هراجع النظام الإلكتروني الأول.”
قالت ليان:
“وأنا همشي.”
“تمام.”
اتجهت إلى الباب، لكنها توقفت قبل أن تخرج.
“آدم.”
رفع رأسه.
“نعم؟”
“ما تتأخرش.”
ابتسم.
“حاضر.”
خرجت ليان.
عاد المكان إلى هدوئه.
لم يسمع آدم سوى صوت جهاز التكييف القديم وصوت عقارب الساعة.
فتح النظام الإلكتروني وبدأ يبحث عن الرقم المفقود.
ظهرت أمامه عدة سجلات.
قرأها واحدة تلو الأخرى.
ثم توقف.
لم يجد شيئًا.
أعاد البحث بطريقة مختلفة.
لا شيء.
غير الرقم في خانة البحث.
لا شيء.
بدأ الشعور المألوف يعود إليه.
ذلك الشعور الذي كان يأتيه عندما يجد شيئًا غير طبيعي، لكنه لا يستطيع بعد أن يعرف لماذا هو غير طبيعي.
فتح درجًا جانبيًا وأخرج دفتر ملاحظاته.
كتب رقم الملف.
ثم كتب تحته:
الملف غير موجود.
تردد لحظة.
ثم أضاف:
لكن رقمه موجود.
أغلق الدفتر.
في اللحظة نفسها، سمع صوتًا خافتًا من آخر الممر.
رفع رأسه.
كان يعتقد أن المبنى أصبح خاليًا.
انتظر.
لم يسمع شيئًا.
نهض من مكانه واتجه نحو الباب.
فتح الباب ببطء.
الممر كان فارغًا.
لكن على الأرض، أمام غرفة الأرشيف القديمة، كان هناك ملف رمادي.
ظل آدم واقفًا ينظر إليه.
لم يكن الملف موجودًا عندما مرت ليان من هناك.
اقترب.
انحنى والتقطه.
لم يكن عليه اسم.
ولا رقم.
ولا ختم.
فقط كلمة واحدة مكتوبة بالقلم الأسود على الغلاف.
آدم.
تغيرت ملامحه.
نظر إلى الممر مرة أخرى.
ثم إلى الملف.
فتح الغلاف.
في الصفحة الأولى لم يجد تقريرًا، ولا سجلًا، ولا حتى تاريخًا.
وجد صورة.
رجل يقف أمام مبنى قديم.
كان آدم يعرف المبنى.
ويعرف الرجل أيضًا.
تحت الصورة كُتب:
يوسف مراد
ظل آدم صامتًا.
يوسف مراد لم يكن مجرد اسم قديم في أحد الملفات.
كان واحدًا من أشهر حالات الاختفاء التي مرّت على الأرشيف طوال تاريخه.
اختفى منذ سبعة عشر عامًا.
لكن الشيء الذي جعل يد آدم تتجمد فوق الورقة لم يكن اسم يوسف.
بل التاريخ المكتوب أسفل الصورة.
رفع آدم الصورة من مكانها.
حدق في التاريخ مرة أخرى.
ثم قلبها.
على ظهر الصورة جملة واحدة:
“لا تبدأ من يوم اختفائي.”
وتحتها، بخط أصغر:
“ابدأ من اليوم الذي عرفوا فيه أنني سأختفي.”
تراجع آدم خطوة.
لم يفهم.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا.
هذا الملف لم يُترك هنا بالصدفة.
والشخص الذي وضعه في طريقه كان يعرف بالضبط ماذا سيفعل آدم عندما يجده.
مد يده إلى هاتفه.
فتح شاشة الاتصال.
توقف قبل أن يضغط على اسم ليان.
لأول مرة، لم يكن متأكدًا من الشخص الذي يجب أن يثق به.
ثم جاءه صوت خافت من نهاية الممر.
صوت باب يُغلق.
رفع آدم رأسه بسرعة.
لكن الممر كان فارغًا.
وعندما عاد بنظره إلى الملف، اكتشف شيئًا لم يكن موجودًا قبل لحظات.
ورقة صغيرة سقطت من بين صفحات الصورة.
التقطها.
فتحها.
قرأ السطر الأول.
ثم توقف.
لأن السطر الثاني كان مكتوبًا باسم شخص يعرفه جيدًا.
“آدم ناصر ليس أول شخص يقرأ هذا الملف.”
—
انتظروا الجزء القادم
غمضة:
الاسم الذي ظهر في آخر السطر لم يكن اسمًا غريبًا… كان اسم شخصٍ ظن آدم أنه يعرفه جيدًا.
![]()
