الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل آدم واقفًا دون حركة.
صوت المفتاح كان لا يزال عالقًا في رأسه.
مرة.
ثم سكون.
ثم صوت المقبض وهو يتحرك ببطء.
لم يتجه آدم إلى الباب.
بدلًا من ذلك، أطفأ مصباح المكتب.
بقيت إضاءة الطوارئ الخافتة القادمة من الممر تكفي لرؤية حدود الأشياء.
الظرف الأسود كان في يده.
أعاده إلى مكانه فوق المكتب.
ثم وضع بجواره الملف الرمادي.
لم يكن يريد أن يبدو وكأنه يخفي شيئًا.
كان يريد أن يرى أولًا من دخل.
تحرك المقبض.
فتح الباب.
دخل رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا.
توقف عند المدخل.
لم ينظر إلى آدم مباشرة.
نظر أولًا إلى المكتب.
ثم إلى الرفوف.
ثم إلى النافذة.
كانت حركة قصيرة، لكنها لم تكن حركة شخص دخل إلى مكان يبحث فيه عن شخص.
كانت حركة شخص يتأكد من أن الأشياء ما زالت في أماكنها.
رفع آدم مصباح الهاتف وأضاء وجهه.
تغيرت ملامح الرجل.
قال آدم:
“مروان؟”
كان مروان حاتم، مسؤول أمن المبنى.
في منتصف الأربعينيات، يعمل في الأرشيف منذ أكثر من عشر سنوات، ويعرف تفاصيل المبنى أكثر من معظم الموظفين.
لكن آدم لم يفهم سبب وجوده في الطابق الثالث بعد انتهاء العمل.
قال مروان:
“إنت لسه هنا؟”
“السؤال ده أنا اللي المفروض أسأله.”
ابتسم مروان ابتسامة قصيرة.
“سمعت إن الكهرباء قطعت.”
“والكهرباء رجعت.”
“عارف.”
نظر آدم إليه.
“دخلت ليه؟”
لم يجب مروان مباشرة.
تقدم خطوتين.
ثم توقف.
“كنت براجع حاجة.”
“إيه؟”
“كاميرا الممر.”
رفع آدم حاجبه.
“الكاميرات شغالة؟”
“بعضها.”
“واللي هنا؟”
نظر مروان إلى سقف الغرفة.
ثم قال:
“دي من زمان مش شغالة.”
سكت آدم.
كانت تلك المعلومة غريبة.
لأن الكاميرا الموجودة فوق باب الطابق الثالث كانت تومض قبل انقطاع الكهرباء بدقائق.
هو رآها بنفسه.
لكن ربما كان الضوء مجرد مؤشر قديم.
قال آدم:
“إنت قلت إنك بتراجع كاميرا الممر.”
“أيوه.”
“ليه؟”
تردد مروان.
“عشان شفت حركة على الشاشة.”
“حركة مين؟”
نظر مروان إلى الباب.
“مش عارف.”
“إزاي يعني؟”
“الصورة كانت مشوشة.”
اقترب آدم منه.
“شخص دخل المبنى؟”
“مش بالضبط.”
“يبقى إيه؟”
أخرج مروان هاتفه.
فتح تسجيلًا قصيرًا.
مد الشاشة نحو آدم.
ظهر ممر الطابق الثالث.
الصورة ضعيفة، والألوان باهتة.
كان الوقت 10:31.
مر شخص أمام الكاميرا.
لم يظهر وجهه.
كان يحمل شيئًا مستطيلًا تحت ذراعه.
ثم اختفى من الكادر.
أوقف مروان التسجيل.
قال آدم:
“ده حصل قبل ما ألاقي الملف.”
“أيوه.”
“مين الشخص؟”
“قلت لك مش عارف.”
أخذ آدم الهاتف.
أعاد المقطع.
شاهد الشخص مرة ثانية.
هذه المرة لم يركز على جسده.
ركز على الشيء الذي يحمله.
كان ملفًا.
رمادي اللون.
بنفس الحجم تقريبًا الذي وجده آدم أمام الغرفة القديمة.
رفع عينيه.
“مروان.”
“نعم؟”
“إنت شفت الشخص ده يدخل منين؟”
“المصعد.”
“متأكد؟”
“أيوه.”
“والكاميرا صورت خروجه؟”
سكت مروان.
“لا.”
“ليه؟”
“لأن التسجيل انقطع بعد المقطع ده.”
“الساعة كام؟”
“10:32.”
نظر آدم إلى هاتفه.
ثم إلى الظرف.
ثم إلى مروان.
“والكهرباء قطعت الساعة كام؟”
“10:47 تقريبًا.”
كان هناك فرق خمس عشرة دقيقة.
خمسة عشر دقيقة لا تظهر فيها الكاميرات شيئًا.
قال آدم:
“يعني الشخص دخل قبل انقطاع الكهرباء بربع ساعة.”
“ممكن.”
“وممكن يكون لسه جوه.”
رفع مروان عينيه إليه.
هذه المرة لم يبتسم.
“ممكن.”
ساد الصمت.
ثم قال آدم:
“إنت عندك مفتاح الطابق الثالث.”
“أيوه.”
“مين غيرك عنده؟”
“مدير الأرشيف.”
“حد تاني؟”
تردد مروان.
“المفتاح الرئيسي موجود في الإدارة.”
“مين يقدر ياخده؟”
“الموظف المسؤول عن المناوبة.”
توقف آدم.
“مين كان مسؤول النهارده؟”
نظر مروان إليه.
ثم قال:
“ليان.”
لم يظهر آدم أي رد فعل.
لكن داخله توقف للحظة.
“ليان كانت مسؤولة عن المفتاح؟”
“أيوه.”
“ومتى سلمته؟”
“قبل ما تمشي.”
“لمين؟”
“لي.”
قالها مروان ببساطة.
ثم أضاف:
“عشان أنا مسؤول الليل.”
نظر آدم إلى يده.
ثم إلى الباب.
كان هناك شيء غير منطقي.
ليان قالت له إنها غادرت.
قالت إنها في البيت.
لكن مروان قال إنها كانت آخر شخص يحمل المفتاح قبل تسليمه له.
وهذا وحده لا يثبت شيئًا.
المفتاح يمكن تسليمه.
ويمكن استخدامه قبل التسليم.
لكن آدم تذكر جملة ليان.
“ما تروحش أي مكان.”
ثم تذكر أنها عرفت المبنى الموجود في الصورة رغم أنه لم يخبرها بوجوده.
قال مروان:
“فيه حاجة؟”
“لا.”
“إنت شفت حد هنا؟”
“لأ.”
نظر مروان إلى المكتب.
عيناه توقفتا للحظة عند الظرف الأسود.
كانت لحظة قصيرة جدًا.
لكن آدم لاحظها.
قال:
“تعرف الظرف ده؟”
أبعد مروان عينيه.
“لأ.”
“متأكد؟”
“أيوه.”
لم يقتنع آدم.
لكنه لم يضغط.
أعاد مروان هاتفه إلى جيبه.
“أنا هنزل أشوف غرفة المراقبة.”
اتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج، قال آدم:
“مروان.”
توقف.
“لو لقيت الشخص اللي في التسجيل، ما تكلموش لوحدك.”
التفت مروان.
“ليه؟”
نظر آدم إلى الملف الرمادي.
“لأني مش متأكد إننا بندور على الشخص الصح.”
خرج مروان.
أغلق الباب.
انتظر آدم حتى اختفى صوت خطواته.
ثم عاد إلى المكتب.
فتح درج الملفات.
بدأ يبحث عن العلامة السوداء التي رآها على الظرف.
لم يجدها في السجلات الحديثة.
انتقل إلى الملفات القديمة.
ثم القديمة أكثر.
حتى وصل إلى مجلد لم يفتحه منذ سنوات.
كان عنوانه:
“حالات غير مكتملة.”
فتح المجلد.
وجد عشرات الأسماء.
بدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف.
علامة الدائرة السوداء والخط ظهرت في أعلى إحدى الصفحات.
تحتها اسم:
يوسف مراد.
وتحته اسم آخر.
الرجل الذي قيل إنه مات قبل اختفاء يوسف بيومين.
لكن هناك سطرًا ثالثًا لم يكن موجودًا في قاعدة البيانات الإلكترونية.
اسم ثالث.
قرأه آدم.
ثم عاد إلى أول الصفحة.
قرأه مرة أخرى.
لم يكن الاسم غريبًا.
كان يعرفه.
لكنه لم يفهم لماذا كُتب داخل ملف يوسف.
رفع الهاتف ليلتقط صورة للصفحة.
قبل أن يضغط زر التصوير، وصلت رسالة.
من رقم ليان.
“مروان مش هو اللي دخل.”
تجمد آدم.
قرأ الرسالة مرة أخرى.
ثم وصلته رسالة ثانية.
“وأوعى تصدق التسجيل.”
رفع آدم عينيه نحو الباب.
كان مغلقًا.
ثم نظر إلى الساعة.
11:12.
لم يتبقَّ سوى ثمانية وعشرين دقيقة على موعد الظرف.
وبينما كان يحاول فهم كيف عرفت ليان ما يحدث في المبنى، لاحظ شيئًا في الصفحة القديمة.
بجوار الاسم الثالث كان هناك توقيع صغير.
نفس التوقيع الموجود على سجل وفاة الرجل الذي ظهر في الصورة.
لكن التاريخ بجواره لم يكن تاريخ الوفاة.
كان تاريخًا بعد الوفاة بثلاثة أيام.
رفع آدم رأسه ببطء.
لأول مرة، لم يعد السؤال عنده هو من دخل المبنى.
لأن الدليل الجديد قال شيئًا أخطر.
الشخص الذي يترك توقيعه بعد موته لا يحتاج إلى أن يكون حيًا.
يكفي أن يكون هناك شخص آخر يعرف كيف يستخدم اسمه.
انتظروا الجزء القادم
غمضة:
“قبل أن يصل آدم إلى الساعة 11:40، سيظهر اسم لم يكن موجودًا في أي سجل رسمي… لكن شخصًا ما كان ينتظر أن يجده.”
![]()
