الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم يرفع آدم رأسه عن الصفحة.
ظل إصبعه فوق التوقيع الصغير الموجود بجوار الاسم الثالث.
كان التوقيع واضحًا بما يكفي.
ليس واضحًا لدرجة أن أي شخص يمكنه قراءته من بعيد، لكنه واضح بالنسبة لشخص قضى سنوات يتعامل مع السجلات والتوقيعات.
عاد آدم إلى سجل الوفاة الموجود في قاعدة البيانات.
ثم إلى الصفحة القديمة.
قارن بينهما.
التوقيع متشابه.
ليس متطابقًا تمامًا.
لكن التشابه لم يكن شيئًا يمكن تجاهله.
أخذ آدم دفتره وكتب ثلاثة أسماء.
يوسف مراد.
الرجل الموجود في الصورة.
الاسم الثالث.
ثم وضع تحت الأسماء خطًا واحدًا.
لم يكتب استنتاجًا.
لم يكتب أن الأشخاص الثلاثة مرتبطون.
كان يعرف أن الاستنتاج المبكر قد يحول الدليل إلى فخ.
كتب بدلًا من ذلك:
“ما الذي يجمعهم؟”
ثم توقف.
هذه المرة لم يكن يبحث عن إجابة.
كان يبحث عن الشيء الذي يمكن أن يجعل السؤال نفسه خاطئًا.
فتح الصفحة القديمة مرة أخرى.
كانت تحتوي على معلومات قليلة.
اسم.
تاريخ.
رقم حالة.
ثم عدة ملاحظات مكتوبة بخطوط مختلفة.
لكن إحدى الملاحظات لفتت انتباهه.
كانت في أسفل الصفحة.
“تمت مراجعة الحالة بناءً على طلب شخص من خارج القسم.”
لا اسم.
لا جهة.
لا توقيع واضح.
فقط رقم مكتوب بجانبها.
17.
قرأ آدم الرقم أكثر من مرة.
ثم نظر إلى رقم حالة يوسف.
كان 17 أيضًا.
لكن هل كان هذا تطابقًا أم أن الرقم يشير إلى شيء آخر؟
هنا كان يمكن لأي شخص أن يربط الرقمين فورًا.
آدم لم يفعل.
كتب في دفتره:
“17 ظهر مرتين.”
ثم وضع بجانبه:
“لا أعرف لماذا.”
أغلق الدفتر.
وهذه المرة بدأ يفكر بطريقة مختلفة.
إذا كان الشخص الذي دخل المبنى يريد منه أن يجد الملف، فلماذا يترك له أيضًا الظرف؟
وإذا كان يريد منه فتح الظرف في الساعة 11:40، فلماذا وضع داخل الملف معلومات تقوده إلى مكان آخر؟
هل كان الظرف هو الهدف؟
أم أن الملف مجرد وسيلة لإبعاده عن شيء أهم؟
نظر إلى الساعة.
11:16.
بقي أربع وعشرون دقيقة.
نهض آدم.
لم يعد يريد انتظار الموعد.
لكنه لم يكن يريد فتح الظرف أيضًا.
كان يريد أن يعرف أولًا من أين جاء.
عاد إلى المكان الذي وجده فيه.
ثم بدأ يبحث حول المكتب.
تحت الطاولة.
خلف الرف.
داخل سلة الأوراق.
لا شيء.
حتى توقف أمام الكرسي الذي كان يجلس عليه.
رفع الكرسي.
وجد شيئًا صغيرًا عالقًا أسفله.
قطعة معدنية رفيعة.
التقطها بالقفاز.
كانت جزءًا من مشبك ملفات.
لكن عليها رقم محفور.
17.
تغيرت ملامحه.
هذه المرة أصبح الرقم أقل براءة.
وضع القطعة بجوار الظرف.
ثم بجوار الملف.
ثلاثة أدلة تحمل الرقم نفسه.
لكن الرقم قد يكون مجرد رقم ملف.
وقد يكون رقم غرفة.
وقد يكون رقم حالة.
وقد يكون شيئًا لا علاقة له بكل ذلك.
وهنا ظهر أمام آدم احتمال آخر.
ربما الشخص الذي ترك الأدلة لا يريد منه أن يعرف ماذا تعني.
ربما يريد منه فقط أن يلاحظ تكرارها.
جلس آدم.
أخذ ورقة جديدة.
قسمها إلى ثلاثة أعمدة.
كتب في الأول:
“ما أعرفه.”
في الثاني:
“ما أظنه.”
وفي الثالث:
“ما لا أستطيع إثباته.”
كتب تحت العمود الأول:
الملف الرمادي ظهر دون أن يراه أحد.
الصورة تجمع يوسف ورجلًا مسجلًا كمتوفى.
هناك شخص ثالث مرتبط بالملف.
الظرف الأسود موجه إلى آدم.
الظرف محدد بوقت 11:40.
الرقم 17 ظهر أكثر من مرة.
ثم انتقل إلى العمود الثاني.
الشخص الذي دخل المبنى ربما يعرف آدم.
ليان تعرف شيئًا عن المبنى.
مروان قد يكون أخفى جزءًا من الحقيقة.
الشخص المتوفى ربما لم يكن هو الشخص الذي يحمل اسمه.
ثم توقف.
لم يكتب شيئًا آخر.
أما العمود الثالث فتركه فارغًا تقريبًا.
ثم كتب في أعلاه:
“لا تثق في أول تفسير.”
ظل ينظر إلى الورقة.
وفي تلك اللحظة فهم شيئًا مهمًا.
القضية لم تعد تحتاج إلى شخص ذكي فقط.
كانت تحتاج إلى شخص يستطيع أن يمنع نفسه من تصديق ذكائه.
لأن كل دليل يمكن تفسيره بأكثر من طريقة.
وكل تفسير يمكن أن يقود إلى الشخص الخطأ.
أمسك آدم بالصورة الثانية.
قربها من الضوء.
لم ينظر إلى الرجلين هذه المرة.
ركز على الخلفية.
المبنى خلفهما.
باب جانبي.
نافذة مكسورة.
لافتة صغيرة.
قرأها بصعوبة.
كان مكتوبًا عليها اسم مكان قديم.
“محطة الشرق.”
عاد آدم إلى الورقة.
كتب الاسم.
ثم توقف.
محطة الشرق.
المكان الموجود في الصورة هو نفسه المكان الذي كُتب عنوانه على ظهر الصورة.
إذن الشخص الذي وضع الصورة لم يكن يرسل عنوانًا عشوائيًا.
كان يريد أن يربط الصورة بالمكان.
لكن لماذا؟
وما علاقة يوسف بمحطة الشرق؟
فتح آدم قاعدة البيانات.
بحث عن يوسف مراد.
ظهرت أمامه عشرات النتائج.
اختفاء.
بلاغ.
تحقيق أولي.
ثم سجل قديم عن آخر مكان شوهد فيه.
قرأه.
محطة الشرق.
تراجع في مقعده.
كان هذا هو أول دليل واضح.
الصورة ليست مجرد صورة.
المكان مرتبط فعلًا بقضية يوسف.
لكن هناك تفصيلًا آخر.
آخر مشاهدة رسمية ليوسف كانت الساعة 11:40 مساءً.
تجمد آدم.
نظر إلى الظرف.
11:40.
لم يعد الوقت مجرد موعد لفتح الظرف.
ربما كان هو نفسه وقت اختفاء يوسف.
كتب هذه المعلومة في دفتره.
ثم توقف فجأة.
إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا لم تذكر السجلات القديمة أن يوسف اختفى في الساعة 11:40؟
عاد إلى التقرير.
وجد أن وقت البلاغ كان 12:15.
أما وقت آخر مشاهدة فكان:
“غير محدد.”
حذف آدم الجملة التي كتبها.
لم يكن لديه دليل أن 11:40 هو وقت اختفاء يوسف.
كان فقط وقتًا مكتوبًا على الصورة.
وهنا حدث شيء غريب.
الساعة الموجودة على الحائط تحركت.
11:20.
لكن هاتف آدم أظهر 11:19.
نظر إلى الساعة.
ثم إلى هاتفه.
مرة أخرى.
دقيقة واحدة فقط.
لكن هذه المرة لم يشعر أنها مصادفة.
اقترب من الساعة.
فتح غطاءها.
لم يجد شيئًا.
ثم نظر إلى ظهرها.
كان هناك رقم محفور على المعدن.
17.
أغلق آدم عينيه للحظة.
الرقم موجود في الملف.
على المشبك.
على الساعة.
وفي مكان آخر لم يكتشفه بعد.
لم يعد من الممكن اعتباره صدفة بسهولة.
لكنه لم يكن يعرف ماذا يعني.
أعاد الساعة إلى مكانها.
وعندما استدار، وجد أن الظرف الأسود لم يعد على المكتب.
توقف.
نظر حوله.
كان متأكدًا أنه وضعه بجوار الملف.
اقترب من المكتب.
الظرف لم يكن هناك.
لكن الملف الرمادي كان في مكانه.
وبجانبه ورقة صغيرة لم تكن موجودة من قبل.
رفعها.
كان عليها سطر واحد:
“لو أردت أن تجدني، لا تبحث عن يوسف.”
أسفل السطر رقم:
17
ظل آدم يقرأ الجملة.
ثم نظر إلى الباب.
هذه المرة لم يسمع خطوات.
لم يسمع مفتاحًا.
لم ير أحدًا يدخل.
لكن الدليل كان أمامه.
شخص ما كان داخل الغرفة.
وفي مكان قريب جدًا منه.
والأسوأ من ذلك أن الشخص لم يأخذ الملف.
ولم يأخذ الظرف.
أخذ شيئًا آخر.
شيئًا لم يعرف آدم بعد أنه كان موجودًا على مكتبه.
انتظروا الجزء القادم
غمضة:
“آدم سيبدأ في البحث عن صاحب الرقم 17… لكنه سيكتشف أن الرقم ليس اسمًا ولا عنوانًا، وأن أول شخص سيحاول مساعدته يعرف أكثر مما ينبغي.”
![]()
