كتبت: ريم رمضان السلوت .
بدأ فصل الصيف رسميًا في الواحد والعشرين من يونيو، ومعه كان من المفترض أن تبدأ مظاهر الحياة التي اعتادها الغزيون في مثل هذا الوقت من كل عام.
الصيف في غزة كان يعني نضوج ثمار الفاكهة، نزهات البحر، الجلوس على كورنيش غزة الذي لا تنطفئ أنواره، وصنوف المشروبات الباردة والمثلجات بألوانها ونكهاتها المختلفة.
كانت الحياة هناك ملونة، مفعمة بالحركة والحيوية والازدهار.
لكن كل ذلك أصبح ماضيًا بعيدًا.
غزت الرمادية الأجواء، واكتسى كل شيء بلون قاتم، باهت، ضبابي، عشوائي.
لم يعد هناك انتظام في شيء، سوى الزيادة المتواصلة في إزهاق الأرواح.
قصفًا، قنصًا، غدرًا، خوفًا، قهرًا، وجوعًا…
تحول الصيف المُلوَّن برحلاته وحيويته، والمنكه بكل ما هو منعش، إلى أفران صاهرة تحيط بالناس من كل جانب.
طقسٌ حار بلا كهرباء، بلا تكييف، ولا حتى مراوح بسيطة تلطّف الأجواء.
وبات العيش في خيام لا تقي من حرارة الشمس اللاهبة، الخيام التي تحولت إلى أفرانٍ موقدة في وضح النهار، وسط انتشار الذباب اللاسع والبعوض القارص.
استمر الغزيون بإشعال النار للطهو – إن توفر ما يُطهى أصلًا – ليضيفوا إلى لهيب الطقس لهيبًا آخر من النيران المتقدة.
ويعاني سكان القطاع من انقطاع تام للتيار الكهربائي منذ ما يقارب العامين، في ظل هدم البيوت، وانعدام البنى التحتية بكافة أشكالها.
ومع توالي موجات النزوح، باتت آلاف العائلات مجبرة على الإقامة في خيام أشبه بفرن مفتوح لا هواء فيه ولا مهرب.
يجلس الناس متصببين عرقًا، لا يعرفون للنوم سبيلاً، ولا للجلوس راحة، ولا حتى إلى أين يذهبون هربًا من هذا اللهيب المتواصل.
يشربون الماء أملًا في تبريد أجسادهم…
لكنهم لا يجدونه إلا ساخنًا، مغليًا، في حال وُجد أصلًا.
ولم يكتفِ الاحتلال بكل هذه المعاناة، بل زاد الأمر قسوة بإغلاق المعابر منذ أكثر من أربعة أشهر، مما أدى إلى منع دخول الوقود وغاز الطهي إلى القطاع.
وأُجبر الناس على إشعال النيران بالحطب لطهو طعامهم، ليواجهوا ثلاثية قاتلة: حرارة الطقس، ولهيب الخيام، ولهيب النيران.
جلودهم باتت تصهر، والرؤوس تغلي، وكأنهم يجلسون على حافة فوهة بركان.
وفي ظل شُح المياه، بات الأهالي يفاضلون بين الشرب، والطهو، وأحيانًا مجرد الغسل الضروري… وغالبًا لا يجدون ماءً للاستحمام، ولا حتى لتبريد أجساد أطفالهم المتسلخة من شدة الحرارة.
هذه الظروف مجتمعة، أدت إلى تفشي أمراض جلدية لا حصر لها.
الجميع في هذا الألم سواء…
كبارًا وصغارًا…
حبوب الحرارة والتقرحات الجلدية منثورة على الأجساد…
جلود متسلخة…
ولا مراهم، ولا أدوية، ولا حتى ماء بارد يسكن الألم أو يُخفف من حدة الجراح.
وفي ختام كل هذا المشهد الثقيل، لا يملك أهل غزة إلا أن يرفعوا أكف الدعاء…
ينظرون إلى السماء التي تنهال عليهم نارًا من فوق، وأملهم الوحيد أن تُستجاب الدعوات…
“اللهم قِهم حرَّ جهنم… وباعد بينهم وبينها… كما باعدت بين المشرق والمغرب… يا رب العالمين.”
![]()
