الكاتبة آلاء العقّاد
في عالمٍ مزدحمٍ بالوجوه، ومزدحمٍ أكثر بالصمت، لم تكن له صداقة ككلّ البشر. لم يجد راحته في الأحاديث العابرة، ولا في جلسات الضحك القصيرة. كان له صديقٌ من نوعٍ آخر… لا يتغيّر، لا يغيب، لا يُخونه التعب أو الضجر.
كلّما ضاق صدره، جلس في ركنه المعتاد، وفتح مصحفه…كان هذا هو صديقه الأوفى.
يا نبع أسراري، يا ظلّ وحدتي، يا مؤنس أيامي…هكذا كان يهمس وهو يمرّر أصابعه برفقٍ على الصفحات الطاهرة،
وكأنّه يُربّت على قلبه، لا على الورق. لم يكن يملّ الحديث معه، ولم يشعر يومًا أن صديقه هذا قد ضاق بحديثه أو اكتفى.
كان يشاركه يومه بكلّ تفاصيله؛ يحكي له عن حزنه، عن فرحه، عن لحظات الانكسار والانتصار، عن الناس الذين مرّوا وتركونا، والوجع الذي سكن ولم يرحل. وحين تتزاحم عليه المشاعر، كان يلجأ إلى دفتره وقلمه. هناك، يجد مساحةً آمنة لا يُحاسَب فيها على ضعفه، لا يُسأل عن دمعة، ولا يُلام على تنهيدة. كان يكتب ويكتب، لا ليقرأه الآخرون، بل ليفرغ ما في داخله دون أن يُفضَح. قال يومًا، وهو ينظر إلى المصحف المفتوح أمامه: هو صديقي الوحيد… لا يخذلني، لا يملّ، لا يغيب.
كلّما أعطيته طاقتي السلبية، أعادها لي نورًا وطمأنينة. كلّما فقدت الأمل، نفخ في قلبي روح التفاؤل. وإن لم أتحدّث معه، أشعر أن يومي ناقص…وفي الوقت الذي يركض فيه الناس بحثًا عن الراحة في أمور الدنيا، كان هو قد وجدها… في القرآن الكريم.
ولمن يتساءل، أو تسرّح به الظنون بعيدًا، كان يبتسم ويقول: لا تذهبوا بتفكيركم بعيدًا…صديقي هو القرآن الكريم، ورفيقي في البوح: دفتري وقلمي. وهكذا، ظلّ هذا القلب ممتلئًا رغم الخذلان، ومطمئنًا رغم الفقد…لأنه لم يكن وحده يومًا.
![]()
