الكاتبة آلاء العقّاد
في أحد أحياء غزة القديمة، حيثُ تختلط رائحة الخبز الطازج بأصوات الأخبار القادمة من الراديو العتيق، كانت هناك فتاة تُدعى هديل. هديل لم تكن فتاةً عادية؛ كانت عيونها العسلية تلمع كلما تحدّثت عن أحلامها، وكأنّ بداخلها شمسًا صغيرة لا تغيب. كانت في الرابعة عشرة من عمرها، هادئةً كنسيم البحر، عنيدةً في دراستها، لا تستسلم مهما ضاقت الحياة.
في بيتٍ صغيرٍ تتقاسمه مع أخواتها، كانت هي “البنت الوسطى”؛ لا الكبيرة المسؤولة، ولا الصغيرة المدللة، لكنها كانت القلبَ الذي يربط الجميع. كل صباح، تستيقظ قبلهم، تُعدّ الشاي لأمها، وتفتح كتاب الأحياء، تُراجع دروسها، وتحلم… أن تكون طبيبة. لم تكن الحياة في غزة سهلة، لكنها علّمتها الصبر.
ذات مساء، وبينما كانت تكتب موضوعًا عن “مهنتي في المستقبل”، كتبت: أريد أن أكون طبيبة، لا لأنني أحب المهنة فقط، بل لأنني أريد أن أُعالج الجرحى دون أن أبكي، أريد أن أُعيد البسمة لمن فقدها تحت الركام. في مدرستها، كانت المعلمة تسميها “عاشقة الورد”، لأنها كانت تُزين دفاترها برسم الزهور، وتقول دومًا: حتى تحت الأنقاض، يمكن لزهرةٍ أن تنمو. في يومٍ ماطر، حدث قصف قريب. اهتزّ الحي، وسُمع صراخ الأطفال.
ركضت هديل إلى النافذة، رأت الدخان يرتفع من منزل الجيران. أمسكت يد أختها الصغيرة، واحتضنتها بقوة. كانت خائفة، لكنها تذكرت حلمها. في تلك الليلة، كتبت في دفترها: لن أستسلم. سأدرس أكثر، وسأُعالج كل قلبٍ موجوع، في غزة وخارجها.
كبرت هديل، وظلّت تحلم. وربما لم تُصبح طبيبةً بعد، لكنها اليوم تكتب قصص الأطفال، وتُعلمهم أن الحلم لا يُقصف، وأن عيونَ غزة لا تنطفئ… تمامًا كعيونها العسلية.
![]()
