بقلم: مريم أشرف فرغلي
قصة قصيرة أرويها بصوت قلبي أنا (شمس) لا أدرك الشهر الذي نحن فيه ولكني كنت سأبلغ العاشرة قبل وقوع الحرب بيوم! كم مضى؟ هل ما زلت صغيرة أم أنني قد كبرت حقًا و أشك في ذلك لأنني لم أمت بعد! ما أعلمه عن الموت منذ صغري أي قبل عدة أعوام؛
أنه يحب أن يأخذ الكِبار فقط ولكن ما أثار غرابتي بأنه إن كان كذلك حقًا هل (سماء) أختي ذات الخمس أعوام تكبرني؟ وتكبر الجميع! وهل حديثي الولادة الذين ماتو إثر سوء التغذية كانو عجزة!
ماذا يحدث حولي لا أستطيع أن أفهم شيء فقدت كل شي بعد فقداني عائلتي، أخر مرة رأيتهم فيها عند باب المشفى كانو يحملون أبي فركضت واختبأت خلف المشفى أدعو إلا يكون قد كبر أبي أيضًا وعند عودتي لم أجد الجميع وحتى أبي.
لا أعلم ما الذي أتى بي هنا وكيف أضعت أثر الجميع هل يبحثون عني أم لحقوا بأختي سماء؟ اعيش مع أسرة أخرى لم أرهم من قبل ولكنهم يجعلوني أركض برفقتهم طوال الوقت.
ركضنا من منزلهم بعد قصف المنازل المجاوره له وركضنا من حي لا أعرفه بعد قصفه، بقينا في الطرق نخاف ان نُقصف أو تقصف الطرق نحتمي بالمنازل والمتاجر المقصوفة.
أرتديت برفقة صغار تلك العائلة ثياب وجدناها تحت الركام وودعتُ طفلين منهم تحت ذلك الركام. تذكرت ذات يوم حُلمي الذي لم يولد أن أصبح كاتبة أروي عن معاناة بلادي بكتب يخلدها التاريخ وارى النجاح برفقتها بعد تحرير بلادنا من العدو الصهيوني نبتت فيّ تلك الثقة بعد كلام معلمتي التي حثتني أن أكتب دومًا وإلا يتوقف قلمي حتى الموت.
وكيف أن أجد قلمًا وجميعنا لا نجد طعامًا ولا مسكن و حتى أنا لا أجد عائلتي كيف سأكتب وما الذي سأقوله! هل سأوصف حالنا وانا أعلم بأن النصر لن يأتي أو إنه قد يتأخر ولن أراه لأنني كبرت والموت يقترب و أجزم بأنه سيكون أسرع من النصر.
كلماتي إن كتبتها ستوجع قلوبكم وتدمع أعينكم لدقائق وتعودو لحياتكم تنعمون بالماء والمسكن والمدرسة والرفاق، ولكنكم لا تعرفون الصبر. من منكم يعرفه؟ كنت قد سمعت عن الصبر في افواه المارة وهم يرددون كلام الله ورأيت مراسلين القنوات الإخبارية يبكون بعد إغلاق الكاميرات ويرددون كلمات عن الصبر أتركوا الصبر لنتحدث عن الصمت!
صمتكم وتركنا هو أفضل قرار اتخذتموه لما تقحمون أنفسكم في المعارك؟ لما تتركون نعيمكم لتتحدثوا عن جحيمنا؟ ماتت فلسطين بأسرها وعلمت بأن الشيب قد علا رؤوس الجميع فماتوا برفقتها بقيت وحدي دون عائلتي الجديدة التي وجدتها في إحدى الطرق وفارقتها هناك. الآن أحمل هم آخر مع همومي التي متراصة جوار ثيابي التي أحملها في يدي ركضت وجلت الطرق لأيام أكلت طعام
كان قد ناداني له رجل كبير يجلس برفقة رجال يتشاركون نفس السن والشكل والطعام، ولكن الشيب الذي في رؤسهم أبكاني عليهم قبل وفاتهم. أعطوني رغيفًا وجلت به ليومين أخذ منه بعد التصاق معدتي قضمتين. أثناء تجولي رأيت حطام مدرستي عرفتها بعد رؤيتي لعلم بلادي يقف عاليًا كأنه يعلن بأن الانفجار لن يهزمه.
ركضت واسقطت ثيابي في طريقي فقد كنت أود ان أجد دفترًا أو قلمًا أدون فيه ما يخامر عقلي، أسرعت في خطواتي نحو فصول الدراسة وعلى الرغم من ان لا سقف يحمي المدرسة يرشدني لمعرفة صفي ولكنني أدركته أيضًا.
حتى أوقفني لمعان شيء تحت قدمي ماذا ! قد كانت حقيبة تحمل رسومات على شكل كرتوني المفضل إلتقطتها بقوة ونشوة ومشاعر العيد! عانقتها ونسيت ما أتى بي واصبحت أردد ضاحكة (وجدت شيئًا لم يحترق وجدت شيئًا لم يحترق) ركضت خارجًا وتتبعت ثيابي على الطريق جمعتها في الحقيبة وارتديتها وهززت جسدي راقصة.
_أما الدفتر والقلم غير مهمين الآن فليقرأ الناس على أجسادنا كلام الله وبعض كلماتِ للرثاء.
![]()
