...
Faa370c6 4ca8 4749 b77e 4eb15cadf324

الكاتبة: نجوى الطامي

الاقتباس الثالث

صحت روضة في الصباح الباكر على أصوات أقدام تقترب من الكهف الأسمنتي الذي تختبأ فيه مع أطفالها من القصف الإسرائيلي.

سمعت رجالاً يتحدثون، ورأت بعضهم ينبش في أكوام الحجارة الناجمة عن قصف الليل.

واقترب بعض شباب المسعفين الباحثين عن الجرحى. لمحها أحدهم من وراء بعض الأحجار المهشّمة فاقترب مناديا:

“هل أنت بخير يا خالتي؟ هل طفلتك بخير؟”

هزت روضة رأسها بالإيجاب:

“نعم نحن بخير، ولكنّ ولدي الكبير ياسر مصاب بشظية في ساقه ويحتاج إلى اسعاف عاجل.”

دعا المسعف زميلا له فجاء حاملاً نقالة خشبية مهترأة، وتعاون الاثنان على الوصول الى حيث يرقد ياسر متألما، ويكاد يروح في غيبوبة من النزيف، تحدث إلى روضة في حسم:

“ولدك بحاجة إلى عناية طبية عاجلة. سنحاول نقلَه بسرعة إلى المستشفى. هيّا يا بطل. تحمل الألم قليلا ونحن معك لنساعدك.”.

ظنت رضوى أن بإمكانها اصطحاب أطفالها والذهاب مع ياسر إلى المستشفى، ولكن المسعف اعترض بأسف:

“ممنوع ركوب غير المصابين يا سيدتى، الجرحي كثيرون”.

سألت رضوى بحرقة:

“وكيف أجده ان أخذتموه وحيدا؟”

قال المسعف وهو يشارك زميله في حمل ياسر على النقالة:

“سننقله إلى مستشفى النصر للأطفال، لعلنا نجد مكانا له وطبيبا يرعاه. سنترك لك معلومات عن مكانه في قسم الاستقبال هناك.”

وخرج الاثنان حامليْن ياسراً، بينما سيل الدموع لا ينقطع من عيون رضوى وهي تستودعه:

“سنلحق بك يا ياسر، تشجع يا حبيبي. سنأتيك يابُني”.

 

كاد قلبُ روضة ينخلع وهي تتابع بنظرها طفلها ياسراً محمولا على النقالة، بينما جرى خالد خلفه صائحاً:

“تَشَجّع يا ياسر ، لن نتركك.”

وعدٌ، لم يستطعُ خالد ولا أمُه الوفاء به إلا بعد بضعة أسابيع بسبب القصف المتواصل.

تذكرت روضة وصية زوجها، فادي والجنود الاسرائيليون يقبضون عليه من البيت:

(راعي الأولاد قدر عينيك، أوصيك بالأولاد!)

وتلفتت حولها تحاول أن تتعرف على معالم الطريق. سارت تتتبّع أثر سيارة الإسعاف، ولكن الطريق التوى بعد قليل.

واتخذّ ثلاث شعب يحيط بكل منها أكوام الحجارة والركام. لمحت عن بعد عائلة من رجل وامرأة وطفلين تسير منهكةً فاقتربت تسأل:

 

“هل نحن في الطريق الصحيح لمستشفى النصر؟”

 

رد الرجل في أسى:

“كيف لنا أن نعرف يا ابنتي؟ لقد ضيع الدمار كل معالم الحياة!”

سألتها المرأة:

“من لك هناك؟ سمعنا من بعض النازحين أنهم يقصفون المستشفيات وطلبوا إخلاءها من الجرحي والمرضى.”

فزعت روضة للخبر وقالت بصوت مرتعش:

“ابني الأكبر ياسر، نقله الإسعاف إلى هناك، ونحاول أن نصل اليه.”

قالت المرأة مواسيةً:

“سيكون سليمًا بإذن الله. الزمي السير معنا ربما نلتقي بمن يدُلنا.”

مشت روضة مع طفليها في أعقاب الأسرة النازحة، وتوقف الجميع في بعض الأحيان للراحة أو نتيجة القصف المستمر.

لم يكن لدى روضة الكثير من الطعام والماء، فاقتسمت الأسرة النازحة ما معها من طعام ومياه.

وبات الكل ليلتهم في العراء لا يحميهم سوى بقايا الثياب الرثة التي تدثروا بها.

في الصباح، قررت روضة أن تبدأ السير باكرًا بحثًا عن الطريق إلى مستشفى النصر، ودّعت الأسرة النازحة، وانطلقت في نشاط مع خالد وسندس بحثا عن سبيل إلى المستشفى.

تعلم خالد من أمه السؤال الذي وجهته لكل من قابلته، وأصبح ينوب عنها في طرحه على النازحين:

“هل تعرفون الطريق إلى مستشفى النصر؟”

ولكن الإجابة كانت تأتي دائما إما بالنفي، أو بهزّ الرأس في أسف.

“تعبت يا أمّي”

كانت الجملة الوحيدة التي أصبحت سندس ترددها والأم تحفزها على الصبر، وتشجعها على السير:

“سنصل إلى مستشفى النصر بعد قليل يا حبيبتي. اصبُري قليلًا”.

“جوعانة يا أمي!”

تهتف سندس بعد قليل، فيطمأنها خالد ويحاول أن يلهيها، ويلهي نفسه عن الجوع الذي يفتك بأمعائه.

لم يكن أمام روضة إلا أن تستسلم للضعف الإنساني وتطلب الراحة والغذاء والماء رغم حرقتها على ياسر.

لمحت من بعيد ضوءًا خافتًا في مبنى ما يزال بعضُه قائمًا وسط الخرائب فسارعت اليه.

كان المبنى قبل القصف مركزا لتعليم الكمبيوتر. وقفت بالباب وألقت السلام.. أشارت لها شابة تجلس على الأرض تحمل في حضنها طفلاً وليدًا.

“تفضلي يا أختي اجلسي هنا، أنا سميرة. سأزيح كومة الملابس هذه.”

شكرتها روضة وهي تجلس إلى جوارها وتضم سندساً إلى حِجْرها في استكانة. قالت روضة:

“جزاك الله خيرًا. ابنتي سندس تعبت من طول النزوح. لنا أكثر من أسبوعين نسير بلا هدى.”

وأشارت إلى خالد وقالت:

“اجلس هنا إلى جواري يا خالد. سأفسح لك مكانا ياحبيبي.”

جلس خالد إلى جوار أمه فمدت يدها تضمه إلى حضنها وتربّت عليه.

قالت سميرة:

هذا الملجأ تديره منظمة غوث اللاجئين، ولكنه كما ترون مزدحم بأكثر من طاقته، وأحيانا تأتينا معونة أغذية يوزعونها علينا، ولكن المشكلة في مياه الشرب، فقد قصفت أسرائيل محطات المياه وتركتنا نموت عطشا.”

سألت روضة:

“هل نحن بعيدون عن مستشفى النصر؟”

ردت سميرة السؤال بسؤال:

“لماذا تسألين؟ من لك هناك؟”

قالت روضة:

“ابني الأكبر ياسر، أصيب بشظية في قدمه وتلوث جرحُه وساءت حالته، ونقله المسعفون قائلين إنهم سيأخذونه إلى مستشفى النصر.”

قالت سميرة بعد تردد:

“هو قريب من هنا، ولكني سمعت أن الجيش الإسرائيلي طلب من العاملين في مجمع النصر الطبي كله إخلاء الموقع تماما بما في ذلك الجرحى والمرضى!”
ذُعرت روضة للخبر، وسألت:

“إلى أين يذهبون؟ هل تعلمين؟ “

قالت سميرة:

“لا أعرف. ربما تدُلك سماح، المسؤولة عن المركز. تجدينها في الطابق الأول، وهي التي تزودنا بالمعلومات.”

تركت روضة طفليها في رعاية سميرة وانصرفت على عجل تبحث عن سماح.

“أريدك أن تدليني على أقصر طريق إلى مستشفى النصر. ابني هناك، مصاب بشظية في قدمه.”

قالت روضة في لهفة لسماح.
رفعت سماح رأسها من بين كومة من المعلبات كانت ترصها على رفوف الكومبيوتر الفارغة:

“إنهم يخلون المستشفى منذ الأمس، ولا نعلم إلى أين ينقلون المرضى.”

سألت روضة في إصرار:

“ولكني أستطيع تمريض جرح ابني لو أُعطيت الدواء والضمادات اللازمة. أريد فقط أن أعرف الطريق إلى هناك.”

قالت سماح:

“في الصباح ربما تتضح الصورة أكثر، ويمكنني أن أشير لك على أقرب طرق الوصول.”

لم تنم روضة ليلتها إلا قليلا، كانت كلما غفت عيناها تلوح لها صورة ياسر بقدمِه الجريحة، والمسعفون يخرجون به من المستشفى الي المجهول، فتصحو من غفوتها فَزِعةً مضطربة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *