بقلم/ حسين العلي
“الطيبون لا يؤذون أحداً، لكنهم يؤذون أنفسهم كثيراً وهم لا يشعرون.”
بهذا الاقتباس العميق من نجيب محفوظ، تُختصر مفارقة إنسانية شديدة الألم، نعيشها أو نراها كل يوم في وجوهٍ هادئة، لا تُثير الجلبة، لكنها تُخفي في داخلها صراخًا لا يُسمع.
الطيبة، في جوهرها، قيمة أخلاقية نبيلة. هي تعبير عن القلب النقي، عن الرغبة في السلام، عن حسن الظن، عن تقديم الحب قبل الحكم، والمغفرة قبل العتاب. لكن حين تكون الطيبة غير محروسة بالوعي، فإنها تنقلب إلى هشاشة. الطيب لا يتوقع الشر، ولهذا يفاجئه الطعن. لا يتقن الرد، فيصمت حين يُساء إليه. لا يحب أن يُحرج الآخرين، فيبتلع أوجاعه حتى يُخنق بها.
يعيش الطيبون بنية أن العالم يشبههم، فيُصدمون حين يكتشفون أنه لا يفعل. فتكون كل خيبة صدمةً مضاعفة، وكل خذلان جرحًا لا يُنسى. إنهم لا يؤذون أحدًا لأنهم يعرفون كم يؤلم الأذى، لكنهم دون وعي يفتحون الباب لأذى الآخرين كي يدخل إلى أرواحهم بلا مقاومة.
في العلاقات، الطيبون لا يطالبون كثيرًا، لا يشكون كثيرًا، لا يغضبون كثيرًا… فيُساء فهمهم على أنهم لا يشعرون أصلًا. يُؤخذ صمتهم على أنه رضا، وكرمهم على أنه ضعف، وسكوتهم على أنه تنازل دائم. وفي النهاية، يجدون أنفسهم وحيدين، بعد أن أعطوا كل شيء دون مقابل.
ليس بالضرورة أن يؤذي الإنسان نفسه بيديه. أحيانًا، يكون الأذى بالتجاهل المستمر لألمه، بالتسامح المفرط، بالسكوت الذي يطول حتى يخنق، بالابتسام في وجه من كسر روحه، بالخجل من المطالبة بحقه، وبالخوف من أن يُزعج أحدًا بالحقيقة.
إن الطيبين يؤذون أنفسهم حين لا يعترفون بأنهم بشر، لهم حدود، لهم حاجات، لهم غضب مشروع، ووجع مستحق للتعبير.
ليس المطلوب من الطيب أن يصبح قاسيًا، ولا أن يتخلى عن نقائه. بل أن يتعلّم أن يحمي طيبته. أن يدرك أن “النية الطيبة” لا تكفي وحدها للعيش بسلام. أن يتقن قول “لا”، دون أن يشعر بالذنب. أن يُفرّق بين من يستحق اللطف، ومن يستغلّه. أن يعترف أن العدل لا يتناقض مع الرحمة، وأن الحزم لا يُفسد النقاء.
هنالك فرق بين الطيبة المؤذية والطيبة الواعية، هو الفرق بين قلبٍ مفتوح دون حراسة، وقلبٍ مفتوح لكن بوعي. الطيبة الواعية لا تتخلى عن الكرم، لكنها تعرف متى وأين وكيف تمنحه. لا تكف عن الحب، لكنها لا تُفرّط بذاتها. تقف إلى جانب الجميع، لكن لا تسمح لأحد بأن يدوسها.
كلمات نجيب محفوظ ليست مجرد حكمة أدبية، بل تحذير حنون لأولئك الذين ظنّوا أن الحياة تكافئ الطيبين دائمًا. إنها دعوة لأن نحرس أنفسنا، ونحن نحب. أن نمنح، لكن دون أن نُفرّط. أن نبقى طيبين، لكن أقوياء… لأن الطيب الذي لا يشعر أنه يؤذي نفسه، سينتهي فارغًا، حزينًا، منهكًا… دون أن يفهم: لماذا؟
السرّ في ذلك يكمن في بنية الطيب النفسية. إنهم يربّون أنفسهم على الصبر بصمت، وعلى احتمال الألم كأنّه واجب أخلاقي. يخجلون من أن يُشار إليهم بأنهم “يتذمّرون”، أو أنهم “كثيرو الحساسية”، فيُسكتون أصواتهم الداخلية. والأخطر من ذلك: أنهم حين يُجرحون، يُبرّرون للآخرين. يقولون: “ربما لم يقصد”، “لعلّه يمر بظرفٍ صعب”، “أنا الأقوى، سأتحمّل”.
وهكذا، يُكافئ الطيب نفسه على صمته، ويعاقب روحه على حاجتها إلى الانصاف. ومع مرور الزمن، يظن أن الألم جزء من شخصيته، وأنه خُلق ليتحمّل، لا ليُحتضن.
من المفارقات المؤلمة أن الطيبين، رغم حضورهم الهادئ، غالبًا ما يختفون في الزوايا. لا أحد يلتفت لأحزانهم، لأنهم لا يعلّقون الجراح على صدورهم. لا أحد يسأل عنهم، لأنهم لا يشكون. حتى حين يسقطون، يفعلون ذلك بهدوء، دون صوت. إنهم يذبلون كالأشجار في الخريف، ولا أحد يرى إلا حين يسقط آخر ورقهم.
وقد يصل الأمر إلى أن يُحمَّل الطيب مسؤولية ألم الآخرين، لأنه دائم الاحتمال، فيُظنّ أنه بلا حدود. وكأنما طيبته تُغري العالم بأن يختبرها أكثر، حتى تتكسر. أن يتعلّم الطيب أن الطيبة ليست نقيض القوة، بل هي أحد وجوهها. أن يدرك أن من يحب نفسه، لا يسمح لها بالاحتراق لإضاءة طريق الآخرين فقط. أن يفهم أن قول “كفى” لا ينقص من نقائه، بل يُحافظ عليه.
أن يضع مرآة أمام قلبه، ويقول له: “أنا أستحق أن أُحَب كما أُحِب، أن أُسمَع كما أُصغي، أن أُحتَضن كما أحتَضن العالم.”
رسالة إلى الطيبين إلى كلّ من يشعر أن هذا الكلام يشبهه:
1- لا تطفئ نورك من أجل راحة من لا يرى قيمتك.
2- لا تُخضع طيبتك للامتحانات المتكررة.
3- لا تسمح أن يُصبح صبرك عادة، ووجعك قدرًا.
4- لا تعتذر عن حاجتك إلى الحب، وإلى صوت يقول لك: أنت مهم.
إن الطيبين ليسوا ضعفاء، لكنهم في حاجة إلى أن يتوقفوا عن منح الحياة كل شيء، دون أن يأخذوا شيئًا.
الطيبة، حين لا ترافقها الحماية، تتحوّل إلى عبء. لا أحد يدفع ثمنها سوى صاحبها. احمِ طيبتك. لا تطفئها، ولا تتركها بلا سياج. كن طيبًا، لكن كن واعيًا… فأنت تستحق أن تعيش، لا أن تُستهلك.
![]()
