...
7c4e5e2c 072e 4acd 859b 98a7be6675cc

الكاتبة: منال ربيعي

في درب السالكين إلى الله، تتعدد المقامات وتتشعب الطُرق، لكن مقام الرِّضى يظلّ جوهرًا خفيًا لا يُدرك إلا بعد ذوبان الشكوى، وتلاشي التمنّي.
الرِّضى ليس أن تقول “أنا راضٍ”، بل أن تُصبح الرضا نفسه، أن يسكنك الاطمئنان حتى في قسوة الأقدار، وأن تُسلِّم قلبك دون شروط، كأنك طفلٌ واثق بين يدي أمّه، أو حبة قمح تسلّم نفسها للفلاّح كي تُزرَع وتُبعث من جديد.

في هذا المقام، تغيب الأسئلة من القلب: لا “لماذا؟” ولا “متى؟” ولا “هل كنت أستحق؟”… بل يصبح كل ما يأتي من الحبيب محبوبًا، وكل قضاء قدرًا جميلًا مهما اشتد.

الرِّضى عند العارفين هو أن تُقبل على الحياة بنفس مطمئنة، وتُقبل على الموت بنفس مُحبّة، لأنك لا ترى إلا الفاعل الأول، الله، وكل شيء بعده ظلٌّ لوجهه.

يحكي الصوفية عن رجلٍ كان يُسأل كثيرًا: “كيف حالك؟” فيقول: “كأنني في الجنة، لأن ما يأتيني هو مراد الله، ومراد الله أحب إلي من مرادي.”

الذين دخلوا هذا المقام لم يدخلوا من باب الراحة، بل من باب المحنة والخذلان والفقد، لكنهم خرجوا منه أنقياء كأنهم لم يُجَرَّبوا قط.
هم الذين إذا حُرموا، قالوا: “الحمد لله”، وإذا أُعطوا، قالوا: “رضينا”، وإذا بُتِرَت أمانيهم، نظروا إلى السماء وابتسموا لأن الاختيار الإلهي أحبّ إليهم من الاختيار الشخصي.

يقول أحد العارفين:
“الرضى باب الله الأعظم، لا يفتحه إلا لمن أحبّه حبًّا خالصًا، حتى لم يعد يرى الخير إلا في ما يختاره الله.”

في هذا المقام، تسقط المطالب، وتبقى المحبة، ويصبح القلب كالكأس الفارغ، لا يمتلئ إلا إذا شاء مولاه.

بلغت رابعة العدوية هذا المقام حين قالت:
“اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فأدخلنيها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك حبًّا لك فلا تحرمني النظر إلى وجهك.”
فلم تطلب جزاءً، ولم تخشَ عقابًا، بل أرادت فقط الله، ولا شيء سواه.

في الرِّضى، يطمئن العبد، لا لأنه نال ما يريد، بل لأنه أحب من أعطى، ومنع، وقدّر، وشاء.
هو مقام من اكتفى بالله عن كل ما سواه، فإذا به يصبح أغنى الناس، ولو سكن الخراب.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *