...
8729e6eb 4dd2 4fa5 bf7e 1c53855880da

قصة قصيرة بقلم: مريم أشرف فرغلي

صباحٌ جديد في بيتنا “بيت النازحين”.

كان هذا الاسم الذي أطلقناه — أنا وإخوتي وأبناء عائلتي — على منزلنا الجديد. نعيش فيه جميعنا:

أخي الأكبر، وزوجته، وابنهما الوحيد، وخالتي وأطفالها الخمسة وأحفادها، وأنا، وإخوتي، وأمي.

وأيضًا أبي، رغم كونه لا يُعتبر بأنه يعيش معنا، لكنه يأتينا بين الحين والآخر، لأن لديه عملًا كثيفًا لتأمين أيامنا القادمة.

إن مررتَ بجوار منزلنا، ستستمع إلى صوت ضحكات، تشعر معها بأن الجدران تهتز، وغصون الأشجار تتراقص.

تلك الضحكات لنا — أنا، إخوتي، وبقية الأطفال — نلعب طوال الوقت، لا نأبه بقصفٍ ولا بانفجار. بل نصنع من أصوات القصف لعبة أسميناها:

“العدو المحتل والمدنيين الضعفاء”.

كنا نلعبها أنا وفريق الأولاد كل صباح ومساء — أي طوال اليوم — فنحن ننتظر الأصوات… والأصوات لا تنتهي.
أما الفتيات، فصنعن “أرجوحة” على الشجرة التي تتوسط حوش بيت النازحين.

وكان صباح اليوم كغيره من الصباحات:

أصوات انفجارات، رائحة خبز تفوح من المطبخ، وصوت القرآن من الرَدهة.

قمتُ أنا ومعاذ بالاستعداد لبدء حربنا ضد أكرم وأنس وليث، فاليوم كان دورهم ليمثلوا الكيان الصهيوني.

اتخذنا أماكننا بحذر، وابتدأت الأصوات خارجيًّا، فأطلقنا على “العدو” الذي أمامنا “الرصاص” من أشياء أمسكناها بأيدينا، كأنها مسدسات.

قاموا بتصويب رصاصهم نحونا، حتى صرخ فريق الفتيات — كنّ يجلسن كـحُكّام — معلنات استشهاد معاذ.

صرختُ وسط ضحكاتهن لإتقاني الدور، ثم استعددتُ لإطلاق الرصاص عليهن.

كنت أصنع صوته بفمي، لأن الأصوات الخارجية توقّفت، فافترش “العدو” الأرض لقوتي وشجاعتي.

ثم قمتُ، رفقة معاذ الذي قفز من ثباته بسرور، ورفعنا مسدساتنا الفارغة لنعلن النصر عليهم.

بعد انتهاء “الاحتفالات” التي صنعناها، ركضت صوب المطبخ لأشرب ماء وأعود لنُكمل مواجهاتنا.

لكن أوقفني صوت أمي تبكي بحرقة، وهي تُحدث أبي عبر الهاتف.

كانت تقول:

“تعال وخذنا من هنا، نحن في خطر، وجميع الأماكن حولنا مقصوفة… لا، لن ننتظر للغد، أشعر بأن القصف قادم يا محمد، أرجوك… نحن في انتظارك… حسنًا، سوف أخبر الجميع.”

سمعتُ خوفها، فزاد خوفي؛ ذلك الخوف الذي كنّا نخفيه جميعنا.

وجدتها تلتفت إليّ، وهي تزيل دموعها، وصنعت ابتسامة أعلم بأنها مزيفة.

فركضتُ نحوها وعانقتها… حتى سقطت دموعي أيضًا.

كنت في الغرفة التي تجمعني مع إخوتي وأمي، أرتدي ثيابي استعدادًا للخروج؛ فنحن سنترك المنزل باحثين عن آخر.

خرجت أمي إلى المطبخ، رفقة خالتي وزوجة أخي، أعددن طعام الفطور وناديننا لنأكل في الرَدهة.

تلك التي لطالما تجمعنا عليها لنأكل ونستمع إلى القصص التي ترويها أمي وخالتي، ونتمنى في تلك الجلسات انتهاء الحرب لنعود إلى مدارسنا.

لم أكن ممن ذهبوا، ففضّلت جمع ثيابي.

حتى سمعتُ صوت انفجارٍ مرتفع، أغلقتُ أذنيّ إثره، وجدتُ الحائط في ثوانٍ معدودة على الأرض جواري.

كان هذان صاروخين استهدفا الرَدهة — المكان الذي تجلس فيه أمي، وخالتي، وزوجة أخي وبعض الأطفال.
ركضتُ أصرخ، ولا أستمع إلى صراخي، كان صوتًا يتردد على أذنيّ، صوتًا مزعجًا أكثر من صوت الانفجار.
أشعر معه بأنني سأفقد السمع بعد قليل…
صوتٌ مُريع يخرج من أفواه الجميع.
دموعي لا تتوقف، وإحساس عميق بمسؤوليتي تجاه الصغار في غرف المنزل الأخرى كاد يخنقني.
فركضتُ مجددًا لأحميهم،
فوجئتُ بأشلائهم.

صرخت… فاق صراخي الحد،
كاد حلقي أن يسقط، ليفترش الأرض رفقة أجسادهم.
كل شيء تساوى مع الأرض.
حتى الشجرة الوحيدة… التصقت بالأرض، وعائلتي تحتها.
ركضتُ مجددًا، لا أعلم وجهتي،
وآخر ما رأيته… كان الحائط يسقط على جسدي الهزيل.

أسبوع أو أكثر مرّ على عائلتنا التي مُحيت من السجل المدني، ومن وجه الأرض.
لم يبقَ منهم سوى أبي… وأنا.
_أبي الذي تأخر وأتى بعد فوات الأوان._
لا ألومه، ولا ألوم أحدًا.
فجميعنا… تدمرنا.
نفسيًّا، وجسديًّا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *