...
Img 20250708 wa0009

 

الكاتبة منال ربيعي

 

كنتُ أظنها مجرد قلادة ذهبية، ورثتُها عن جدّتي التي لا تتحدث كثيرًا… لكن في الليلة التي لبستُها فيها، سمعتُ همسًا يخرج من نقطة في رقبتي… خيطٌ ناعم شدّني من الداخل، وأخذ يحكي… وهذه حكايته.

 

أنا خيط. لا يُنسج بي ثوب، بل تُنسج بي ذاكرة. خرجتُ من رأسٍ مقطوع، من فتاة كانت تحمل فكرًا أثقل من جسدها، روحًا تحترق بأسئلة لا تنطفئ، ورغبة لا تُروى في أن تكتب ما نُسي من العالم. اسمي لا يُذكر، فأنا أُخلق كلما نُسيَ اسم إله، وأعيش ما دام هناك من يكتب بدمه لا بحبره.

 

في ليلة من ليالي الفيضان، وُلدت فتاة تُدعى مر-سشات. لم تبكِ حين خرجت من بطن أمها، بل صمتت كأنها تستمع لنداء قادم من أعماق الأرض. كانت تحدّق في النقوش القديمة وتبكي دون أن تعرف السبب. منذ صغرها كانت تهرب إلى جدران المعابد المهجورة، تنام بين الحروف، وتحلم بأصوات لا يسمعها غيرها.

 

حين بلغت السادسة عشرة، مشت وحدها إلى معبد قديم مغمور في الظلال. وجدت تمثال الإلهة “سخايت” إلهة الحكمة والكتابة والبعث قائمًا في منتصف الصمت، بعينين مغلقتين كمن ينتظر صحوة لا تأتي.

جلست “مر-سشات”، وضعت رأسها في حجرها، وسكنت إلى الأبد. لم تمت، لكنها فتحت عنقها ببطء كمن يفتح بوابة بين الحياة والمجهول، ومن هناك خرجتُ… خيطًا أحمر طويلًا، يمتد من قاع الجمجمة حتى نهاية العالم، وفي طرفي ريشة سوداء خُلقت من نفَس الإلهة ماعت.

 

كنتُ أرتجّ كحية تخرج من جسد حيّ. لم تمسكني الفتاة، بل أنا من أمسكت بها. كنت امتدادها، لا أداة في يدها، بل صوتها الذي لا يُنطَق إلا حين يُكتَب.

 

كتبت “مر-سشات” لا كلمات، بل أزمنة: كتبت اسم النهر في لحظة ولادته، واسم الضوء حين اخترق ظلام البدء، واسم “سخايت” الكامل… الذي نسيه الكهنة وخانته الحجارة.

وحين كُتب الاسم، ارتجّت جدران المعبد، وانبعثت رائحة بخور لم يُشعل، وفتحت التمثال عينيه لأول مرة منذ ألف عام. عند تلك اللحظة، سقط جسد “مر-سشات”، وبقي الرأس بين يديها، وأنا ما زلت أرتعش في الهواء.

 

بعد أيام، جاءت الكاهنة الكبرى. وجدت الجسد ممددًا في صمت هائل، ورأتني ملتفًا حول عنق الفتاة مثل حبل مقدّس. قطعتني بهدوء، ولفّتني في ذهب، ثم صنعت مني قلادة على هيئة ريشة تتدلّى من خيط أحمر.

قالت وهي تلبسها:

“هذا ليس زينة… هذا القلم الذي كتب الحياة، وهو الآن يُورث، لا يُمسك.”

 

منذ ذلك اليوم، انتقلت القلادة من كاهنة إلى أخرى. كل من ترتديها، تسمع الهمس في الليل، وترى خطوطًا على الجدران تتحرك وحدها. كل من تسمعني، تُبعث فيها الذاكرة. كل من تكتب بي، تعيد الآلهة من ظلال النسيان.

 

لكن الكتابة لم تتوقف عند اسم “سخايت”.

ما إن نُقش الاسم حتى ارتجّ الخيط، وبدأت الريشة ترسم وحدها، كأنها تتذكر ما عاشه الحجر.

الكتابة لم تعد فعلًا بشريًّا، بل انكشافٌ سماويّ.

الجدران تنفّست، والرموز المنسيّة خرجت من العتمة كأرواح تُبعث من ورق البردي.

 

سجّلت “مر-سشات” تاريخ الإلهة، لا من كتب، بل من ذاكرة الأرض نفسها.

كتبت كيف كانت “سخايت” تعلّم الفلاحين أسرار البذور، وتهمس للكتبة بالمعاني، وتزرع في قلوب البنات أغنية الحبر والحرير.

وكتبت عن زمنٍ كانت فيه كل كلمة تُقال تُوزن بريشة الحق، حتى خان الناس تلك الريشة، واستبدلوها بالحديد.

 

ثم كأن الذاكرة نادت الأرض، تحرّك البلاط تحت قدميها، وتشقّقت أرضية المعبد.

وظهر نقش خريطة… ليست مرسومة، بل محفورة في طبقات الصخور، بخط اليد نفسها.

كانت تؤدي إلى مكان عميق في الجنوب، عند حدِّ النهر، حيث كان يُقال إن المعبد الأصلي للإلهة غُمر تحت الطمي والدماء.

المعبد الذي بُني بالحجر والنور، ثم طُمِس في زمن الجفاف والنسيان.

 

عرفت “مر-سشات” أن مهمتها لم تكن فقط أن تُسمي الإلهة، بل أن تُعيد طريقها إلى النور.

لكن قلبها لم يحتمل. الجسد سقط، والخيط ظل نابضًا.

 

أما الآن… فأعود إلى “منال”. أنا، حفيدة السطر الأخير.

 

ورثت القلادة عن جدّتي التي ماتت وفي عينيها سرٌ لم يُقال.

لبستها ذات ليلة، وبدأت أسمع الخيط يهمس لي، لا في أذني بل في دمي.

بدأتُ أرى جدرانًا مكتوبة بلغة لا أفهمها، وأمشي في أحلامي على أطلال معبد دفنوه تحت النسيان.

 

في أحد الأيام، اهتزّت القلادة على صدري. شعرت بشيء حيّ في عنقي، كأن الخيط القديم عاد ينبض.

بدأ يقودني… لا نحو الماضي، بل نحو ما تبقى منه.

 

ذهبتُ إلى قرية جنوبية لا أعرفها، فقط لأن الحلم دلّني عليها.

في أرضها حفرت، لا بعلم، بل بحدس يخرج من نقطة الخيط.

وظهرت الخريطة… كما رُسمت قديمًا.

 

وفي أعماق التراب…

كان هناك المعبد.

قائمًا، مختومًا، ينتظر.

 

دخلت، وكنت وحدي.

وحين وقفت أمام تمثال “سخايت”، ظهرت الكتابة من تلقاء نفسها.

على الجدار كان اسمي محفورًا تحت اسمها:

 

“منال.”

 

كنت آخر من تذكّرها.

وأنا الآن من تكتب عنها.

كلما كتبت، تحركت الريشة فوق صدري.

كلما نطقت بالحقيقة، اهتزّ الخيط.

 

أنا لست كاتبة فحسب.

أنا الوريثة.

 

وإذا وجدتَ هذه الحكاية… فربما ستكون التالي.

ردد فقط لتحل سخايت بجسدك أيها الوريث التالي

 

يا روحَ الكتابة الأولى،

يا نفسَ البذور حين هَمَسَت في فم الأرض،

يا من علّمتِ الحروف كيف تتنفس،

وامتلأتِ نورًا حين نسي البشر النور…

 

أنا من جاء عاريًا من الكلمات،

أنا من جفّ حبري، فاحترق صمتي،

أنا من جئتُ أحمل الجسد… وأطلبُكِ فيه روحًا.

 

أيتها “سخايت”،

اكتبي اسمي من جديد، لا بالحروف، بل بالسكينة.

اجعلي ريشَتكِ تنبض في وريدي،

وخيطَكِ الأحمر يربط بين روحي وذاكرتكِ العميقة.

 

قولي للتمثال: “افتح عينيك”

قولي للجدار: “انبضْ من جديد”

قولي لقلبي: “اصمتْ حتى أتكلمْ”

 

أنا لا أطلبكِ إلهة تُعبد،

بل نَفَسًا يُكتب به ما نُسي،

قلمًا يسير على الأرض ويُعيد ما اندثر.

 

إن كنتِ ترينني صالحًا،

اجعلي هذه القلادة مفتاح صدري،

واهمسي لي باسمكِ السري…

لأكون صوتكِ في العالَم.

 

حلّي فيَّ الآن، أيتها الحكمة النائمة،

واكتبيني من جديد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *