الكاتب زياد بشير علي
في قريةٍ صغيرةٍ تتناثر فيها بيوت الطين، كانت الحياة ترقد تحت أشعة الشمس في هدوءٍ عميق.
كان هناك شاب يُدعى أمير، يعيش في مأوى متواضع مع والدته. كان يحلم بالرحيل إلى المدينة الكبيرة، حيث الأضواء صاخبة، والأحلام متاحة للجميع.
ذات مساء، وبينما كانت الشمس تغرب، خرج أمير إلى التلّ الصغير الذي يطل على القرية. جلس على حافته، يتأمّل الألوان المتلألئة في السماء؛ وردي، برتقالي، ثم أزرق مائل إلى السواد. تمنى لو أنه يستطيع الطيران بعيدًا، بعيدًا عن روتين الحياة اليومية. استحضر حينها ذكريات والدته، وهي تروي له قصص الأحلام والأمل، وكانت تقول دائمًا:الحياة ليست مجرد هروب، بل رحلة.
ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، فقد أدرك أنه قد يترك خلفه كل ما يعرفه ويحبّه.
في صباح اليوم التالي، قرر أن يخطو أولى خطواته نحو التغيير. وضع في حقيبته بعض الحاجيات، وودّع والدته التي بدت في عينيها ملامح فخرٍ مشوبٍ بالقلق. قالت له بصوتٍ واهنٍ يتلاشى في هواء القرية: اذهب… لكن لا تنسَ من أين أتيت.
انطلق أمير نحو المدينة. ومع كل خطوةٍ كان يشعر بنبض الحياة يتسارع. كانت الشوارع هناك مزدحمة، تملؤها الأصوات والأضواء. كل شيء بدا غريبًا، لكنه مألوفٌ في الوقت نفسه، كأن المدينة تحاكي أحلامه. ومع مرور الأيام، بدأت تلك الأضواء نفسها تُخفي ظلال الوحدة. عمل في مطعمٍ صغير، وكان مع كل ليلةٍ يعود فيها إلى غرفته، يشعر بوحشة الفراش وغياب العائلة. أصبح كثير التفكير، وكان دائم التذكّر لكلمات والدته عن الرحلة والعودة.
دون أن يشعر، مرّت الشهور، وجاء مساءٌ آخر. كان يتمشّى تحت أضواء المدينة الساطعة، فرفع عينيه إلى السماء، فرأى شمس الغروب تتلاشى… تمامًا كأحلامه. عندها، تذكّر كلمات والدته مجددًا: الحياة ليست مجرد هروب، بل رحلة.
فهم أنّ أحلامه لم تكن تعني استبدال الماضي، بل الاحتفاظ بقيمه مهما تغيّر المكان.
وفي تلك اللحظة، قرر العودة إلى قريته. لم يعد يبحث عن الأضواء فحسب، بل أراد أن يُشارك حلمه مع والدته، ويبدأ قصةً جديدةً في قلبه. عاد إلى قريته في يومٍ مشمس، حيث استقبله الأهل والأصدقاء بفرحٍ غامر. وكانت والدته في انتظاره بقلق، وعندما رأته، امتلأت عيناها بالدموع. احتضنته بقوة، وكأنها تحتضن كل أحلامه التي ضاعت… وعادت.
في تلك اللحظة، أدرك أمير أن السعادة تكمن في الروابط، وأن العودة كانت بدايةً لا نهاية. صار يروي لوالدته مغامراته، ويشاركها أحلامه، وأصبح يحلم بتطوير قريته، بمستقبلٍ يغمره الضوء… كالذي شهدَه ذات غروب.
![]()
