...
591bb6ab bae3 41b1 86ce 158d088b242b

كتب / محمود عبدالله

 

المجتمع عبارة عن مجموعة لبنات، واللبنة الأولى هي الأسرة، ثم من مجموعة أسر تشترك فيما بينها بخصائص متعددة كاللغة والدين والعادات والتقاليد والأعراف، ينمو مجتمع يتكون من شبكة علاقات محكومة بحجم تفاعل تلك الأسر من خلال الأفراد داخلها.

في السابق، كان التفاعل بين الأسر مباشرًا، يتمثل في اللقاءات والزيارات واجتماعات الزواج وصلة الأرحام. وكان هذا التفاعل يختلف بين الرجل والمرأة، فالرجال المتزوجون عادة ما يتواصلون في أماكن العمل والمقاهي، وربما أثناء ممارسة الأنشطة الرياضية. أما الشباب في مرحلة المراهقة، فقد كان تفاعلهم يظهر في الدراسة أو أثناء تجوالهم الجماعي.

أما النساء، فقد كنّ يتفاعلن في الأسواق عند شراء الاحتياجات، وفي الزيارات المنزلية التي تهدف إلى الاطمئنان على بعضهن البعض. والشابات أيضًا كن يتفاعلن في المدرسة، وأثناء المذاكرات المنزلية، وخلال فترة الخطوبة.

هذا هو الشكل الذي كان عليه المجتمع بالأمس القريب، وكيف كان الناس يتفاعلون فيما بينهم. لكن مع الثورة المعرفية وظهور التكنولوجيا الحديثة وخدمات الإنترنت، تغير الوضع تمامًا، ولم يعد التفاعل كما كان من قبل.

بات الأشخاص يتواصلون برسائل قصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي، وبناءً على تقييمي للوضع المتردي الذي وصلنا إليه، أُطلق عليها “وسائل التفرقة الاجتماعية”.

لقد أصبحت العلاقات بين الناس تتسم بالفتور والنفور، وبدأت صلة الأرحام تتقطع شيئًا فشيئًا. فبلمسة زر، أراسل أبي، وبلمسة أخرى أعود مريضًا، وبلمسة ثالثة أستطيع دخول منازل الآخرين دون أن يشعر بذلك أحد سوى من أراسله. لم تعد العلاقات تكسوها الحميمية والدفء الذي كان يُميز الأسرة.

إن وسائل التفرقة الاجتماعية رفعت من مستوى الجريمة، وزادت من انتشار الفواحش، وأسهمت في قطع صلة الأرحام. أصبحنا نرى أسرًا كاملة، زوج وزوجة وأبناء، يجلسون في منازلهم لكنهم متفرقون؛ كلٌ منهم يمسك بجواله ويراسل أشخاصًا في الخارج ربما لا تربطه بهم أي صلة.

فالزوج في وادٍ، والزوجة في وادٍ، والأبناء كلٌ يغني على ليلاه. هكذا تفككت الأسر نتيجة الاستخدام الخاطئ لهذه الوسائل.

صرنا نرى جرائم لم نكن نسمع عنها من قبل، وعلاقات محرمة عديدة. إن غياب الوعي بالاستخدام الأمثل لهذه الوسائل ألحق ضررًا بالغًا بالمجتمع. بل إن فكرة أن امتلاك حساب على أحد مواقع التواصل يُعد من مظاهر التحضر، جعل كل شخص متمركزًا حول ذاته في عزلة اجتماعية.

تؤكد الدراسات أن التحضر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتفكك الأسر. لذا، ربما تكون الدعوة اليوم إلى العودة للوسائل التي اعتدنا استخدامها من قبل، كالزيارات والاجتماعات والتلاقي، فهي التي تصنع مجتمعًا أكثر تماسكًا ونضجًا وفائدة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *