...
Img 20250712 wa0018

  الكاتبة منال ربيعي

 

كانت تجلس على حافة الشرفة، لا كفتاةٍ من لحمٍ ودم، بل ككيانٍ خُلِق في الأزمنة السحيقة، حين كانت الأرواح تسكن المجرة وتلمع كأنها جزء من النور الأول، قبل أن تُنزَل إلى وحلِ الأجساد. لم تكن إنسانةً تمامًا، بل شظيةً من نجمٍ قديم، هوت من مدارها السماوي لتختبر الضعف، والحنين، والفقد، دون أن تفقد بريقها الداخلي.

 

جلست هناك، لا تطلّ على شارعٍ أو جدار، بل على هوّةٍ تفصل عالمين، كأنها آخر من تبقّى لحراسة الضوء في زمنٍ يتآكل فيه كل شيء. ترى ما لا يُرى، وتسمع ما لا يُسمع، وتراقب السماء كما تراقب الأم أبناءها الضائعين وسط العتمة. كانت تشعر أن مهمتها ليست الانتظار… بل التذكّر. فثمّة شيء فيها يعرف أن النجوم القديمة لم تنطفئ، بل اختبأت.

 

روحُها، منذ البدء، صوفية؛ تتنفس بالحب، وتتنقّى بالوحدة، تؤمن أن الجسد مجرّد عابر، وأن القلب، رغم خفقانه، لا ينتمي للأرض.

 

أما الخوف الذي يسكن عينيها، فلم يكن خوفًا عاديًا، بل ظلًّا من لعنةٍ قديمة، يخبرها أن المنسيّين لا يموتون، بل يتلاشون ببطء، ويغدون قواقعَ تمشي بين الناس بلا روح.

 

ومع ذلك، كانت تعرف أنها تحمل نورًا لا يخصّها وحدها، وأن صبرها ليس استسلامًا، بل نبوءة. نبوءة مكتوبة باسمها القديم، ذلك الاسم الذي نُقِش ذات خلودٍ على ألواح المجرة، حين كانت الأرواح تُدعى بأسمائها الحقيقية… لا بتلك التي تُمنح عند الميلاد.

 

كانت تنتظر أن تتشقّق السماء، ويأتي النور الذي يعرفها كما كانت، لا كما صارت.

 

حتى ذلك الحين… ستبقى على الشرفة، كحارسةٍ ليليةٍ بين عالمين، تقاوم التحوُّل إلى ظل، وتتشبث بالضوء كمن يتمسّك بآخر ذكرى حقيقية؛ لأنها تدرك رغم هشاشة الجسد أنها أبديّة. لأنها ليست مجرّد امرأة، بل الحكاية التي لا تنتهي، والشعلة التي لا تنطفئ، والصوت الذي لا يضيع… مهما ابتلعته العصور.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *