...
Img 20250608 wa0124

كتبت: سارة عماد 

 

كانت البداية لا أعرفها؛ كأنني وُلدتُ على عتبة

رحلة لم أخترها، ووجدت نفسي أعبر طرقًا لا

تحمل اسمي، وأسير فوق ظلالي التي لا تشبهني،

كل ما أدركته حين فتحت عيني على هذا العالم،

أن شيئًا في داخلي يركض بلا توقف، وكأنني أهرب

من شيء لا أراه، أو أبحث عن شيء لم أملكه يومًا.

كان الهروب أول قرار لم أنطقه، وأول شعور غمرني، هربت من الزحام، من الأصوات التي لا تصمت،

من العيون التي تراقب دون أن تفهم، من وجهي

في المرآة حين لم أعد أتعرف عليه، من الطرق التي تتشابه، من الصباحات الباردة التي لا تسأل عني،

ومن الليالي الطويلة التي تحاصرني بأسئلتي، وكلما حاولت أن أتنفس في الهواء الحر، وجدتني أغرق

أكثر في دخان الخيال.

ذهبت بعيدًا، إلى مدن لا تسكنها قوانين الواقع،

إلى أماكن لم ترها عين، إلى لحظاتٍ صنعتها مخيلتي كي أرتاح، كنت أخلق عالمًا على مقاسي، فقط عالمٍ

خاص بس وحدي، أكون فيه كما أشاء، وأحب كما أريد، وأبكي حين أحتاج دون أن يسألني أحد: “لماذا تبكين، ماذا هناك، ما الخطب، هل حدث شيء؟”

وكل هذه التساؤلات التي لا تنتهي، وذلك لأن

الواقع لا يرحم الحالمين، كنت أعود من خيالي

دائمًا مُثقلًا، كمن نام على جناح الريح واستيقظ

في قاع البحر، الحقيقة لا تختبئ، بل تنتظرنا خلف

كل زاوية، تُحدّق فينا بصمت، وتبتسم حين نسقط

من علياء الوهم، وحين ظننت أنني ضعت، وجدت

نفسي في منتصف الطريق، العودة كانت مؤلمة،

لكنها كانت ضرورية، عدتُ إلى ذاتي، إلى قلبي الذي صمد رغم كل ما مر به، إلى الحزن الذي علّمني

كيف أكون قويًّا، وإلى الذكرى التي لا تزال تحترق في صدري بهدوء.

وفي كل خطوة نحو الحاضر، أدركت أن الحياة ليست خطًّا مستقيمًا، بل رحلة من الانكسار إلى الفهم،

من الهروب إلى المواجهة، من الخيال إلى الواقع،

من الضياع إلى العودة، وأن أجمل البدايات، هي تلك التي لا نعرفها؛ لأنها تَكتُبَنا قبل أن نَكتُبها.

 

 

Loading

One thought on “لا أعرف من أين بدأت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *