...
34eb78e872280c3a1d62581f2f89a5d0

كتبت: منال ربيعي 

ليس كل السالكين إلى الله يسيرون في الطرق المعبّدة، فبعضهم يُلقى بهم في متاهات… لا لشيء، إلا لأن قلوبهم كانت قادرة على أن تهتدي بلا خارطة.

هذا المقام الذي نكتبه الآن، لا نُسميه كما سمّى القوم من قبل، لا هو مقام الخوف، ولا الرجاء، ولا حتى اليقين…
هو مقامٌ لا يُعلّمه كتاب، ولا يُدرّسه شيخ، بل تُلقيك فيه الحياة فجأة، حين تُسلب منك القدرة على السؤال… ويُهدى إليك النبض كمرشد أخير.

في هذا المقام، لا يسأل العبد ربه: “لماذا؟”، ولا “إلى أين؟”
بل يضع يده على صدره، ويتتبع نبضًا غامضًا، كأن شريانًا أخضر امتد من الغيب إلى أعماقه.
هو مقام العارف الذي لا يسأل، لأنه صار هو الجواب.

لا خريطة… فقط نبض

من يدخل هذا المقام لا يدخل بعقله، بل بجسده.
نعم، الجسد الذي طالما ظنناه عبئًا على الروح، هو نفسه يتحول هنا إلى بوصلة.
كفُّه تُضيء…
عروقه تصير كتابة سرية،
خطوط راحته تصبح نُقوشًا من حكمة أزلية.

وتذكّر: كل من سار بهذا الطريق، كان في لحظة ما على ضفاف نهر.

مثال: المرأة التي لم تسأل بعد اليوم

هي لم تكن نبيّة، ولا وَلِيّة، بل كانت امرأةً من الناس، جسدها منهك، وروحها مُثقَلة بالأسئلة التي لم تجد لها جوابًا.
استيقظت ذات فجر، ومشت إلى النيل.
أدخلت نصفها السفلي في الماء، غسلت وجهها، ثم نظرت إلى كفّها…
فرأت فيها شيئًا لم تره من قبل:
متاهة.
نعم، عروقها الخضراء كانت كخريطة من العصور الأولى، كأن أوزير قد مدّ شريانه إليها، وقال: “اتّبعيني”.

ومنذ ذلك اليوم، لم تسأل شيئًا.
كانت تعرف الطريق.
لا بكلمات، بل بوميض خافت في عينيها،
برعشة تمرّ في يدها حين يكون الطريق خطأ،
وبسكينة غامرة حين يكون صوابًا.

مقام العارف الذي لا يسأل… فينا

ربما مررنا جميعًا بهذا المقام ذات يوم ولم ننتبه.
حين صمتنا فجأة، وشعرنا أن كل ما حولنا يجيب دون أن نسأل.
حين أحببنا شيئًا أو شخصًا أو طريقًا… بلا مبرر.
حين بكينا بلا سبب واضح.
أو حين مشينا إلى الماء دون أن نخطط.

ذلك هو النبض،
وذلك هو المقام.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *