...
Img ٢٠٢٥٠٧٢٨ ١٦٢٧٣٧

كتبت: مريم نصر 

في حياة كلٍّ منّا سؤالٌ خفي، يطرق أبواب الفكر بصوتٍ خافت: “ما الشيء الذي تهرب منه دائمًا ولا ترغب في مواجهته؟”
قد لا نملك إجابة واضحة، وقد نتجاهل السؤال عمدًا، لكن الحقيقة أن لكلٍّ منّا هروبًا خاصًا، يلبسه قناع الانشغال، أو يؤجله باسم التريّث، أو يدفنه في أعماق الصمت.

كلٌّ منّا يحمل في داخله ما يُقلقه، ما يُثقل روحه، وربما ما يُلاحقه في هدوء الليل، دون أن يجرؤ على مواجهته وجهًا لوجه. قد يكون هذا الشيء ذكرى مؤلمة، قرارًا مؤجَّلًا، شعورًا دفينًا، أو حتى حقيقة واضحة يرفض الاعتراف بها. ولكن، لماذا نهرب؟ ولماذا يبدو الهروب في أحيانٍ كثيرة أيسر من المواجهة؟

الهروب ليس دائمًا علامة ضعف، بل أحيانًا يكون وسيلة للبقاء. نخدع أنفسنا بأن التأجيل أو التناسي سينقذنا من وجع الحقيقة، ولكن الحقيقة تبقى، تنتظر في الزاوية، تكبر في الصمت، وتضغط على أنفاسنا كلما حاولنا نسيانها.

قد يهرب البعض من مواجهة الذات؛ من الاعتراف بأخطائهم، أو من تحمّل مسؤولية قراراتهم. وقد يهرب آخرون من العلاقات الإنسانية التي تتطلب صدقًا ووضوحًا، أو من مشاعر لم يعرفوا كيف يتعاملوا معها، كالخوف، أو الحزن، أو الحب.

هناك من يهرب من مستقبله، لأنه لا يملك خطة، أو لأن الفشل السابق جعله يفقد الثقة في المحاولة مجددًا. وهناك من يهرب من ماضٍ لم يُصفِّ حساباته بعد، فظلّ يُطارده في صمته ويقيد خطواته.

لكن، هل يستمر الهروب إلى الأبد؟
الحقيقة أن ما لا نواجهه، يظل يطاردنا. المواجهة قد تكون مؤلمة، ولكنها الطريق الوحيد للسلام الداخلي. أن تنظر إلى ما تخشاه بعين الصدق، أن تعترف، تُحاسب، وتسامح، هو الخطوة الأولى نحو التحرر.

فكّر قليلًا… ما الشيء الذي تهرب منه دائمًا ولا ترغب في مواجهته؟
وإذا عرفت الجواب، فاعلم أن مواجهته قد تكون بداية لحياة أكثر راحة، أكثر صدقًا، وأكثر نضجًا.

لا تكن سجينًا لظلّك، ولا تجعل الخوف يختطف لحظات حياتك. كن شجاعًا في مواجهة ما تهرب منه، فربما خلف تلك المواجهة يكمن السلام الذي تبحث عنه منذ زمن. تذكّر دائمًا: الهروب يؤخّر الألم، لكن المواجهة تُنهيه. ومن يواجه نفسه، يملك القدرة على مواجهة العالم كله.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *