...
Img 20250804 wa0025

الكاتبة وعد عبد القادر علي 

*وجود في اللاوجود

 

في ليلة باردة، كان القمر مكتملًا، وسمفونيات الطبيعة تعزف لحنًا هادئًا. كان يجلس في شرفته، يحتسي كوب قهوته، وينفخ دخان سيجارته ببطء، كأنه يطلق مع كل نفخة أفكاره ومخاوفه إلى الفضاء، تاركًا اللحظة تتكلم عن نفسها. صوت هدير الماء في النهر يمتزج مع زقزقة العصافير النائمة، ورياح الليل الباردة تهب بين الأشجار، محملةً برائحة الليل الفواحة. في هذه اللحظة، يجد السلام في السكون، وتتلاشى همومه مع دخان السيجارة المتصاعد نحو السماء الصافية.

 

“أشتاق إليكِ، أشتاق إلى أيامنا التي كانت فيها الحياة أكثر جمالًا. كيف فعلتِ بي هذا؟ تركتِني أتألم في صمت، أتذكر كل لحظة جمعتنا.”

 

كانت تجلس معه على شاطئ البحر، تراقب الأمواج وهي تتلاطم بالصخور. قال لها: “أنتِ أجمل ما في حياتي، وأروع ما رأيت.” نظرت إليه بابتسامة خجولة، وردت: “وأنتَ أجمل من البحر والسماء.” تذكر هذه اللحظة يمزق قلبه، يعود إلى تلك الذكريات ويشعر بالألم مرة أخرى.

 

في ليلة ممطرة، كانا يسيران تحت المطر بدون مظلة، يضحكان ويغنيان معًا. قال لها: “أتمنى أن أمضي بقية عمري معك.” نظرت إليه بعينين لامعتين، وردت: “أتمنى أن نكون معًا للأبد.” الآن، يجلس يقرأ رسالتها، وتتدفق الذكريات أمامه، كأنه يعيشها مرة أخرى، لكن الفراق والزمن يجعلان الحنين يمزق قلبه.

 

يجلس الآن يقرأ رسائلها السابقة، وتتدفق الذكريات أمامه كأنه يعيشها مرة أخرى، لكن الفراق والزمن يجعلان الحنين يمزق قلبه. أخذ نفسًا طويلًا من السيجارة، ثم رماها أرضًا ودعسها برجله بقوة، كأنه يدفن معها أمله وفرحه. نظر إلى السماء، لكن دموعه غلبته، ففتح مجرى الماء بعينيه، وبدأ يبكي بحرقة. صار يلطم الحائط تارة ويركل الكرسي تارة أخرى، وكأنه يحارب الألم الذي يعصره. سكب القهوة، وبدأ يصرخ، يصرخ بكل ما أوتي من قوة، ليجد أكسجينًا يدخل في رئتيها، لكنه يعلم أن ذلك مستحيل. بعد تركها له، توقف الأكسجين عن الاستجابة له، وأصبح حتى هو يحرضه على الموت، كأنه يقول له: “لماذا لم تأخذني معها؟”

 

وعندما أراد الإجابة له والاذعان للوجود من حوله، شعر بها بيد تحمل السكينة بين خطوطها. رائحة الياسمين الفواحة انتشرت في المكان، وملأت رئتيه بالسكينة والطمأنينة. ثم سمع همسًا ناعمًا، كصوت الشلال، يردد كلمات الحب والأمان، فشعر بقلبه يغمره السلام. وفي لحظة، أحس بلمسة حانية على وجهه، كأنها قبلة أم حنون، فانتشر الدفء في جسده، وبدأ يشعر بالراحة والسكينة. في هذه اللحظة، شعر وكأن العالم قد توقف عن الدوران، وكل شيء أصبح ممكنًا.

 

التفت إليها بسعادة قارمة، أجل هذه هي بشحمها ولحمها ملكه وملكته، نصفها الآخر الذي اختاره الله ليكون مسكنه. خلقت من ضلعه الأعوج لتكون شريكة حياته وملاذه. ضمها بشدة، كصغير وجد أمه، كضائع وجد بلدته بعد طول غياب. في هذه اللحظة، شعر وكأن روحه قد عادت إليه، وكأن العالم قد استقر كله في حضنها. همس في أذنها: ‘أنتِ نصفي، أنتِ روحي، أنتِ كل شيء.’ وردت هي: ‘وأنتَ كل شيء لي.’ في هذه اللحظة، شعرا وكأنهما وجدا بعضهما بعد طول انتظار.”

 

ابتعد قليلاً عنها، نظر إليها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها، تابع تحركاتها بتأمل ودهشة. تلك الخصلات التي تتلاعب بها نسمات الهواء، أخذ نفسًا عميقًا فنتج في عقله هواءً يمتلئ بعبقها. نظر إلى السماء والنجوم، كأنه يقول لهم: “أنتم ترونها، هلموا سريعًا.” وقام بدثرها بين أضلعه، ليخبئها من الجميع، من النجوم التي تراها، والهواء الذي يمتزج بعبقها، والنسيمات التي تلاعب خصلاتها. خطى بها إلى الداخل، وهو يخبئها بقلبه، كأنه يقول: “أنتِ ملكي”. في هذه اللحظة، شعر أن كل شيء أصبح ممكنًا.

 

ولكن قبل أن يخطو إلى الداخل، شعر بخفة وزنها، لم يبالي وقام بالدخول. ومع إغلاق الباب، وجد أنه لم يكن يحمل إلا الوهم، هي ليست هنا، لا عبقها ولا لمساتها ولا صوتها، كل ذلك كان وهمًا. لقد جن، آه يا قلبي، لقد جننت بها، فاقتنعت أن قربها جنون وبعدها الموت. بهذه المرة لم يتحمل الصراخ حتى، نظر إلى تلك الغرفة التي تحمل ذكرياتهما، تابعها بألم وعجز، ثم استسلم لطلبات الوجود من حوله. في هذه اللحظة، شعر وكأنه فقد جزءًا من نفسه، وكأن العالم قد فارقه. نظر إلى الفراغ، وكأنه يبحث عنها، لكنها لم تكن هناك، فقط الذكريات التي تؤلمه.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *