كتبت: ملاك عاطف
ملاك، ابنة التسعة عشر ربيعًا، تعتنق الجدّ والتميّز، وتبحر في عمق النجاح بسفينة الإرادة، وتصنع المعجزات بأيدي صباها المكلّل بالعزيمة.
استقبلتها منابر الطفولةِ باكرًا، فأحاطتها بأنوار المسابقات، وذلّلت منصّاتُِالإنجازِ تحت أقدامها؛ لتعتليَها بقدمَيْنِ ثابتَتينِ، لا تعرفان زللًا ولا حيادًا عن الارتقاء.
كانت طفلةً لأمٍّ فطِنة، استطاعت أن تلمسَ فيها حسّ الفنّ، وآمنت بها حتّى أوجدت فضاء حضورٍ لا يتّسع لسواها.
درست الجغرافيا، وحملت بين ثنايا علمها حلمًا مَرَدَت عليهِ حتّى تلخّص في ملاك؛ إذ بنت لها من دعمها ورعايتها سماءً أخرى، وحفّظتها خريطتها أكثر من اسمها، وظلّت ترسمها لها حتّى غارت منها خريطةُ غزّة!
في سماء الإنجاز حلّقت ملاك، ورأسها الصغيرُ يحفظُ خطوط الاستمراريّة ودوائر الغايات العظمى. وكما أرادتها أمُّها كانت، واحتكرت جغرافيّةَ الفرادة؛ فتألّقت في النشيد نجمةً ازدانت بها الألحان، وسبحت بين أروقةِ الشعرِ غيمةً تمطر حبًّا من القصيد، وسطعت شمسُ تفوّقها في دراستها يومَ عانق نسيمُ الفخرِ ضفيرتيها.
سردت القرآن غيبًا وهي بنتُ السادسة عشر، ثمّ غاصت في بحر القراءات، واستخرجت منه لؤلؤ ترتيلٍ يلمع خشوعًا، علّقته قلائدَ في أعناق تلاميذها حين ورثت شرف المهنة عن والدَيْها، وراحت تعلّم القرآنَ بحبٍّ واضعةً نصبَ عينيها حديث نبيّنا الكريم إذ قال: “خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه”.
الصورةُ المرفقة في تقريري، تخبّئ في بطانة ملامحها حلمًا وأدته الحرب، لكنّه ما زال حيًّا في قبر النزوح، كأنّه يدرك أنّ له ميقاتًا مؤجّلًا يزهر فيه كما أزهرت كلّ أهداف ملاك من قبل.
إنّها تقف على المسرح باعتزاز، تتوّج الناجحين في الثانويّة العامّة بينما صوت المرتبة الأولى يناديها من المستقبل: من قال أنا لها نالها!
وفجأة، خمد الصوت، غاراتٌ كثيرةٌ اجتمعت على كبت حلم التتويج بالنجاح، ورسمت لهُ خطوطًا ضبابيّةً غير واضحة. لكن ما لم تعرفوهُ عن ملاك ذات المواهب المتعدّدة، أنّها خطّاطة، تسيّر الخطوط على أوراق ملائكيّتها كيف تشاء، وتعرف كيف تطوّع أقلام الجدّ؛ لترسم لوحةَ تميّزٍ جديدة.
ومسك الختام عباراتٌ لم تعبرها ذرة شك ولم تعبّر عنها اللغة بما يليق؛فانسكبت من الأبجدية، وتعالت عن الأوصاف، وكانت كنزًا في كينونة هذا النثر، ’أبي يمسكني حين يفلت قلبي الجميع ، يتقبلني ويصلحني كلما أظلمت السبل أمامي ..
محظوظةٌ لأني جزء منك وفخورةٌ بأنك أبي ، على ثقةٍ بالله أنك ستكون فخوراً بي كما أنت دوماً.’
هذه ملاك، معلّمة القرآن، وحاملة السند، وتوأمُ الإبداع، وأمُّ الأحلام الرّاقية. هذه ملاك، بنت القطاع المحاصر، وأسطورة الغد، وإشراقةُ اليوم، ووليدةُ الفرادة. هذه حافظة الشعر، وألَقُ الاجتهاد، واسمٌ على مسمّى، فأنّى لها أن تكون غير ذلك في حضرةِ همّتها العالية المتّقدة وسعيها الدؤوب؟
![]()
