الكاتبة أمل سامح
“رحلة تبدأ بالخذلان… وتنتهي بك”
لم يُجبرنا أحد على الرحيل. نحن من اخترنا الغربة بأيدينا… اخترنا أن نبتعد عن الأهل، عن الأصحاب، عن الأحباب. لم نُكرَه، بل هربنا بإرادتنا الكاملة. هربنا من خيباتٍ أنهكت أرواحنا… من حبٍ خذل، من أماكن لم تعد تسعنا، ومن ملامح تُشبه الذكريات.
نحن من قررنا أن نُطفئ الأضواء في بيوتنا القديمة… وأن نبدأ من جديد، في بلادٍ لا تعرف أسماءنا، ولا تنتظر عودتنا. حتى وإن كنا سنمضي ما تبقّى من أعمارنا وحدنا… فهذه الرحلة فردية.
لا أحد معك، ولا أحد ينتظرك في آخر الطريق.
تسند نفسك حين تقع، وتمسح دموعك بصمت، وتقول:
“سأكمل… ولو انكسرت.”
تتخلّى عن نصف قلبك لتنجو…
عن حبك، لأنّه تركك في منتصف الحكاية.
عن سعادتك، لأنك ذُقت مرارة الفقد كثيرًا.
تتخلى عن مدينتك، لأنها تذكّرك بمن لم يرحل معك.
وتترك وطنك، لأنّه كان شاهدًا على كل شيء… وما أنقذك.
العيش بمفردك في بلاد غريبة ليس بذلك السوء…
بل أحيانًا، هو الخلاص.
لن تصادف الوجوه التي جرحتك،
لن تمرّ بشوارع تُعيد إليك صوتًا بكيت لأجله،
ولن تطرق أبوابًا تعلم أنها أُغلِقت منذ زمن.
نعم… الحنين سيأتيك على هيئة غصّة.
سيتسلّل في ليلك، ويهمس باسمٍ تمنيت أن تنساه.
لكن الغربة ستعلّمك شيئًا أعظم:
أنك لا تحتاج أحدًا لتنهض…
وأنك قادر على النهوض حتى من قلبك المُحطّم.
ابحث عن سعادتك أينما كانت، حتى لو كانت في آخر الأرض.
حتى لو اضطررت أن تترك من تحبّ،
وتُغلق خلفك أبوابًا كنت تتمنى ألا تُغلق يومًا.
لا تتوقف… لا تسمح لشيء أن يوقفك.
حتى لو اضطررت أن تدوس على الماضي، وتمضي.
لكن… لا تتخلَّ عن قيمك.
لا تكسر أخلاقك من أجل الوصول.
لا تُطفئ نورك في سبيل أن يُبهرهم بريقك.
لأنك إن نجحت وفقدت نفسك… فما الذي ربحته؟
عِش حياتك كما يجب أن تُعاش…
ابحث عن الأمان، حتى لو وجدته في عزلة تامة.
كن سندك، وكن نجاتك، وكن موطنك البديل.
فبعض الطرق… لا نُولد لنسير فيها مع أحد.
نُولد لنخوضها وحدنا…
ونصل.
لكننا لا نعود كما كنّا أبدًا.
![]()
