الكاتبة منال ربيعي
أنا الطفلة التي دفنوها في قبو المدينة كي تُزهِر فوقها البيوت.
طفلة خُلقت للضوء، لكنهم علموها أن تكون ظلًا.
أجلس على الأرض الباردة، أضم قدميّ إلى صدري، وأستمع إلى دقات قلبي كأنها آخر من يتذكر أنني ما زلت حيّة.
لا أحد يكلمني، لا أحد يسألني إن كنت جائعة، إن كنت خائفة، إن كنت أنا.
لكني أتذكر…أتذكر جيدًا من أكون.كنت أحبّ الصباح، كنت أحب ترتيب غرفتي الصغيرة،
أن أنشر الغبار، وأعطّر الوسائد، وأتأمل وجه أمي في المرآة.
كنت أكتب حكاياتي في دفترٍ أخضر، وأرسم آلهة تنزل من السماء لتُنقذ المدن التي تنسى أبناءها.
كنت أحلم أن أروي للأطفال حكايات عن مصر القديمة، عن النيل، عن الفراعنة، عن السلام.
كنت أحب النظافة كأنها عبادة، وأرتب ألعابي كأنني أرتب قلب العالم.
لكنهم أغلقوا الباب،
أطفأوا النور،
وقالوا لي: “ابقي هنا… من أجلكم جميعًا.”
ولم أفهم.
كيف تكون سعادتهم مرهونة بجوعي؟
كيف تُبنى مدينة على أنين طفلة؟
أنا لم أبكِ كثيرًا.
تعلمت أن أكتم صوتي كي لا أزعج الجدران،
لكن في داخلي، كنت أصرخ،
وأكتب على الحائط بأظافري:
” كانت هنا. منال ما زالت هنا.”
كان اسمي يهمس لي في العتمة.
كنت أكرره بيني وبين نفسي كأنني أخشى أن أنساه.، لا تخافي أنتِ زهرة لوتس لم تفتح بعد.”
ومع كل همسة، كنت أتنفّس من جديد.
وفي يومٍ لا يشبه الأيام،
سمعت داخلي صوتًا أقوى من الصمت.
لم يأتِ من الخارج…
بل انبعث من قلبي نفسه،
وقال لي:
“افتحي الباب، هذا القبو ليس لكِ.” وقفت.رأسي يدور، وقدماي خائفتان،
لكن يدي امتدت للمقبض،
ودفعته ببطء،
وخرجت.الضوء لم يصفعني، بل احتضنني كأنني ابنته المفقودة.
السماء بدت أقرب،
والهواء ناعمًا، كأن المدينة تنفست لأول مرة بصدق.
مشيت بين الناس،
وجهي شاحب، جسدي نحيل،
لكني كنت أطول من كل مباني أوميلاس.
أعينهم نظرت إليّ… ثم هربت.
كأن وجودي يفضحهم.
لم أطلب شيئًا، لم أصرخ، لم أتهم أحدًا.
كنت فقط أمشي…
وأستعيد صوتي خطوةً خطوة.
ثم رأيت طفلة تنظر إليّ بخوف،
لكنها لم تهرب،
بل اقتربت وأعطتني وردة.
ابتسمت.
لأنني أدركت أنني خرجت حقًا،
أنني عبرت من الطفولة الموجوعة،
إلى الوعي، إلى الشهادة، إلى أن أكون أنا.
أنا لست ظلًّا،
أنا لست خرافة في سرداب.
أنا اسم محفور في ذاكرة التراب،أنا صوت، وحكاية، ونداء.
أنا المعذبة. بنت القبو.بنت النور.
وأوميلاس؟
إن أرادت أن تبقى…
فعليها أن تراني.
![]()
