...
Img 20250812 wa0017

الكاتبة منال ربيعي

 

الفصل الأول

 

لم أكن أبحث عن شيء.

كنت فقط أعيش في صمتٍ طويل، كأن قلبي تجمّد على هيئة بابٍ لم يطرقه أحد.

لا فرح، لا حزن… فقط الوقوف، كأن حياتي وضعتني على رصيفٍ نائم، ونسيتني هناك.

 

وفي ليلةٍ بلا ملامح، وجدت نفسي في بيت لا أعرفه.

بيت يشبه الحلم، بشرفة واسعة تُطلّ على نهرٍ ساكن، وجدرانٍ فيها رسومات لم أرها من قبل، لكنها بدت مألوفة.

كأن روحي زارت هذا المكان يومًا ما، قبل أن أولد.

 

من الشرفة، رأيت طفلين صغيرين يبكيان في الشارع. لم يكن معهما أحد، ولم يعرفا اسميهما.

لكن على صدريهما كان يتدلّى أثرٌ من ذهب، صورة لامرأة لا أعرفها… لكنني تذكّرت أن اسمها “نادية”.

 

نزلتُ إليهما دون أن أسأل لماذا. ضممتهما، كما تُضمّ الأحلام الضائعة.

وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء يتحرّك في صدري… يشبه العودة، يشبه النبض، يشبه الأمومة حين تأتي من أبواب القدر.

 

كان بجواري رجل لم يعترض، ابتسم فقط، كأنه يقول: “أخيرًا وصلنا.”

صرتُ أمشي داخل البيت كما لو أني أمشي داخلي.

الضحك يملأ الأركان، والهواء صار دافئًا.

النهر صار أقرب، حتى شعرت أنه يشرب من حديقتي الصغيرة.

 

كل صباح كنت أضع الخبز على المائدة كأنني أُعدّ مائدة للقدر.

الأيام لم تعد متشابهة، كانت تُزهر… تُنبت وردًا من كل لحظة صبرٍ دفنتها في روحي.

 

الرجل الذي معي لا يسألني “من الطفلان؟” ولا “لماذا قررتِ؟”

هو فقط يسير بجواري، كالنور… هادئًا، واثقًا، كأنه يعرف أنني خُلقت لأرعى.

 

وذات مساء، زارتني “نادية” في منامي. لم تقل شيئًا.

ابتسمت، وأشارت إلى الطفلين، ثم غابت كنجمة تُسلّم الليل لصباحٍ جديد.

 

استيقظت وأنا أعرف: لم أعد أبحث عن المعنى…

لقد صار المعنى يسكنني، يأكل معي، ينام معي، ويضحك حين أضحك.

البيت لم يكن بيتًا… كان أنا.

 

في صباح آخر، بينما كنت أراقب الطفلين وهما ينامان، سمعتُ صوت الماء يناديني.

لم يكن هديرًا… بل همسًا عميقًا، كأن النهر يطلبني.

 

خرجتُ وحدي، عبر الحديقة التي ما كنت أعلم أنها تمتدّ حتى تلامس الضفة.

كان هناك ممرّ ضيّق من الحجارة القديمة، نصفه غارق في الماء، ونصفه مغمور بضوء شاحب يشبه الفجر.

مشيتُ عليه بلا خوف.

كل خطوة كانت كأنها تخلع عني طبقة من الزمن، من الصمت، من الأشياء التي لم أعد أحتاجها.

 

في منتصف الطريق، ظهرت لي امرأة ترتدي عباءة من طين وسُندس.

لم تتكلم، لكنها مدت لي مرآة صغيرة محفورة على ظهرها رموز لا أفهمها.

نظرتُ في المرآة، فرأيتُ وجهي كما لم أره من قبل:

ليس فيه تجاعيد، ولا ملامح تعب… بل نور خفيف، وندبة في القلب تشبه زهرة مفتوحة.

 

قالت المرأة أخيرًا بصوت يُشبه نداء الأم من خلف النوم:

“البيت الذي يسكنكِ… لا يُفتح إلا بالماء.”

 

ثم اختفت، كأنها لم تكن جسدًا بل فكرة.

عدتُ أدراجي، وكان النهر يضحك من خلفي، كأنه يعرف أنني بدأت أفهم.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *