الكاتبة منال ربيعي
كانت امرأة مألوفة الملامح، تمشي في الأسواق والشوارع كما تمشي أي امرأة، لكن في عينيها بريق يلمع كحبات الندى عند أول الصباح. لم يكن أحد يعلم أن دمها يحمل أثر نسل قديم، نسل الإلهة إيزيس، سيدة الشفاء وحارسة الأرواح. كانت خطواتها تحفظ إيقاع الأرض، وكأن دورانها ينتظر ملامسة قدميها.
تستيقظ قبل اكتمال الفجر، حين يوشح الأفق بلون بنفسجي باهت، وتبدأ خيوط ذهبية خجولة تتسلل بين غيوم وردية. تفتح نافذتها كما تفتح كاهنة أبواب المعبد، وتجلس على مقعد خشبي قديم، تتأمل المشهد حتى يتدرج الضوء من عسلٍ ذهبي إلى بياض لؤلؤي.
في المطبخ، تبدأ شعائر الطهو التي يعرفها أهل الحي؛ تقطع البطاطس إلى شرائح ذهبية اللون، وتوزعها في صينية نحاسية، تضيف اللحم الطريّ وتغمره بالمرق الكهرماني. تفوح رائحة الثوم المحمّر ممزوجة بعبق الطماطم الناضجة، فيتصاعد بخار معطر يملأ البيت ويخرج إلى الشارع كرسالة دعوة سرية. ومن يتذوق صينية البطاطس من يديها، يشعر وكأنه أكل من مائدة أعدتها الآلهة، فيخرج بخفة وسكينة وكأن الحزن قد غادره.
بيتها لم يُغلق في وجه سائل أو غريب، وإذا جاءها مريض، وضعت يدها على جبينه وأغمضت عينيها، فتسيل دمعة صافية على وجهه، فيهدأ جسده وتصفو روحه.
وحين يهبط الليل، تصعد إلى شرفة بيتها العالية، حيث يبدو السقف قريبًا من السماء، فتجلس بثوبها النيلي العميق، ومدت يدها كمن يلامس النجوم. كانت تغمض عينيها وتشعر أن بريقها يسري في عروقها، وأن السماء تنحني قليلًا لتهمس لها بأسرارها. هناك، بين همس الريح ولمعان الفضة في السماء، كانت تُكمل شفاء الأرواح التي لم يكتمل شفاؤها في النهار، حتى تغفو ويداها في وضع التحليق، كأنها عائدة من رحلة بين النجوم.
![]()
