...
Img 20250821 wa0019

الكاتبة آلاء العقاد

 

في ركنٍ صغيرٍ من هذا العالم الصاخب، تقف غزة، مدينة لم تذق طعم الراحة منذ أن فتحت عينيها على الدنيا. غزة ليست مدينة كباقي المدن، بل هي جرح مفتوح في قلب الأمة، يتنفس ألمًا ويزفر صبرًا.

 

“عذرًا يا فلسطين…” همست بها آلاء وهي تمشي على الحجارة المتناثرة في شارع لم يبق منه شيء سوى الذكريات. لم يعد هناك رصيف لتسير عليه، فقد صار الرصيف ركامًا، وصار الركام حياة، وصارت الحياة وجعًا لا ينتهي.

 

الفرح؟ كيف يُكتب عن الفرح حين تكون غزة جريحة؟

كيف نرسم ابتسامة على وجه الكلمات، ودم غزة لم يجف بعد؟

كل زاوية من زوايا المدينة تئن، كل بيت يحمل داخله حكاية شهيد أو مفقود أو جريح، وكل أم تنام على وجع وتستيقظ على خبر فقدٍ جديد.

 

آلاء، التي كانت تكتب القصص، صارت هي القصة. لم تعد تكتب بأقلام الحبر، بل صارت تكتب بالدمع، بالرماد، بصوت الطائرات وهي تمزق الليل، وبصراخ الأطفال وهم يهربون من الموت الذي يلاحقهم بلا رحمة.

 

البيوت التي كانت عامرة بالضحكات، تحولت إلى أطلال. الشوارع التي كانت تضج بالحياة، باتت مسرحًا للموت. الأمهات صرن يحملن أبناءهن بين الركام، والآباء يحفرون بأيديهم بحثًا عن أمل ضائع.

 

في غزة، لا وقت للبكاء. الدموع صارت ترفًا لا يملكه أهلها. في غزة، يسير الناس على الحجارة بدل الأرصفة، وكل حجر تحت الأقدام له قصة، له وجع، له شهيد كان يومًا يمر من هنا.

 

لكن رغم كل شيء، كانت غزة تنبض.

تحت الركام، كانت الحياة تحاول أن تنهض من جديد.

في قلب كل أم، كانت دعوة.

في يد كل طفل، كانت قبضة صغيرة تتحدى العالم.

 

“من ينقذ غزة؟”

سؤال كانت آلاء تكتبه في كل رسالة، في كل منشور، في كل نفس.

لكن الصمت كان الجواب الوحيد.

والعالم، كعادته، أدار ظهره.

 

ومع ذلك، لم تستسلم غزة.

ولم تستسلم آلاء.

 

كانت تؤمن أن الكلمات قد تكون سلاحًا، وأن الكتابة قد تُنقذ، أو على الأقل، تُذكّر.

كانت تكتب لا لتواسي فقط، بل لتشهد.

تشهد على أن غزة، رغم الألم، ما زالت تنبض.

وأن الحجارة، رغم البكاء، ما زالت تبني.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *