...
Img 20250824 wa0011

الكاتبة منال ربيعي 

 

تظن أنّك تقاوم، وأن كل خطوة تجرّها في الوحل دليلٌ على بقاءك واقفاً، وأن كل تنهيدة تطلقها في الليل اعترافٌ بأنك ما زلت على قيد الرجاء. تقنع نفسك أن الصمود هو في هذا الصخب الذي تثيره حولك: صخب اليد التي ترتجف لكنها ما زالت ترتفع، صخب الكلمات التي تتساقط من فمك متكسّرة، لكنها تُلبِسكَ هيئة المقاتل.

 

لكن الحقيقة أكثر قسوة من هذا الوهم.

الحقيقة أنك تنطفئ.

تنطفئ في العمق الذي لا يراك فيه أحد.

تنطفئ في زوايا روحك حيث لا يصل ضوء، في الموضع الذي تظن أنك تخبئ فيه قوتك. يذبل صوتك شيئاً فشيئاً، وتتسع في داخلك فجوة صامتة، كأن قلبك ينسحب ببطء تاركاً لك جسداً يتظاهر بالمواجهة.

 

المأساة أنك ما زلت تُمسك بملامحك وتعرضها للآخرين، تقول: “أنا بخير… أنا أقاوم.” بينما الحقيقة أنك تشبه شمعة في غرفة مغلقة: تشتعل للحظة لتقنع نفسها أنّها تضيء، لكن احتراقها ليس إلا طريقاً نحو العدم.

 

ومع ذلك، أيها القلب الذي يظن أنه ينطفئ، ألا تعلم أنّ النار حين تُطفأ تترك وراءها جمراً دافئاً يظل حيّاً تحت الرماد؟ ألا تعلم أنّ موت الضوء الظاهر قد يكون بداية ولادة نور آخر، أعمق، لا تراه العيون بل تبصره الأرواح؟

 

إنك لا تنطفئ حقاً، أنت فقط تُسلِّم وهجك القديم لتستعد لاستقبال وهجٍ أنقى.

كأنك تتخفف من زيف الصلابة، ومن ادعاء القوة، لتعود إلى جوهرك الأول: قلب ضعيف يتوكّل على الله. هناك، في لحظة السقوط، تنكشف لك أبواب لم تكن تراها، وتسمع في الصمت نداءً لم تكن تلتقطه وسط صخب المقاومة.

 

ربما ما تظنه انطفاءً، هو عين الاشتعال. وربما ما تحسبه موتاً، هو بذرة حياة جديدة تُزرع في أرضك الداخلية.

فالماء لا يخرج من العين إلا بعد احتراق القلب، والنور لا يتجلى إلا بعد أن تنسحب كل أضواء الوهم.

 

وفي النهاية، لستَ منطفئاً… أنت فقط وهجٌ جديد ينهض من رماده.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *