الكاتب مصطفى أحمد عبدالعزيز
من أين أبدأ هذه المرة؟
هناك أشياء كثيرة تصلح أن أبدأ بالكلام عنها إلى ما لا نهاية؛ صوتها حين تسأل عني وتتفقد أحوالي بغير ملل، يدها حين تربت على كتفي تؤازرني بلمسة من يعرف كيف يزرع الحنان بقلب إنسان فيثمر سكينة واطمئنان، نظرتها حين تطوقني وتحتضنني قبل ذراعيها، ثم ما أشبه طوقها الذي تحمله في نظرتها بطوق نجاة حلق حول خصر غريق غمره الماء فتجرع منه ما تجرع حتى كان الموت أرحم له مما هو فيه، ثم أتاه ذلك الطوق فولّى إلى حياة جديدة من خلاله؛ من الواضح إذن أن الحديث عن تلك النظرة يستحوذ عليّ الآن.
﴿١﴾
منذ عقد ونصف كنت تلميذًا صغيرًا في المدرسة، وكان نجاحي في الدراسة يقف على قمة منحدر، فكلما تقدمت عامًا كان النجاح يهبط درجة أو اثنتين من منحدره، حتى استقر في آخر الأمر على حافة حفرة كبيرة، وأمسى واقفًا في (اللاشيء)، فلا هو فشل ذريع ولا مُعْجِز، ولا هو ملمح لأدنى درجات النجاح، وأصبحت في فقر من الهُويّة.
كنت إذا حصلت على تقدير جيد، أو تسلمت هدية أو جائزة رمزية، أشعر برغبة شديدة في الطيران، وليس “طيرانًا من الفرح” كما يقولون، بل كنت أرغب في الطيران بمعناه الحرفي كي أذهب إلى أمي في أسرع وقت وأُدخل عليها السرور. كنت أخشى التأخر كي لا يفسد هذا النجاح أو يتبدل، وكنت أعلم بفطرتي أن أمي دائمًا تؤثرني على نفسها، وإن كانت تَحْتَدّ عليّ أحيانًا إذا رأتني مستغرقًا في وهم أو متواكلًا في عمل، فكانت حدة في صالحي، ولم تكن لدي غضاضة في حدة أمي المؤقتة إلا في مرات قليلة كانت تشتد فيها حدتها، ثم أعود سريعًا وألتمس لها ألف عذر. ولماذا ألف؟! فعذر واحد يكفيها وكفيل بأن يجعل الحق معها على الدوام؛ وهو أنها تحبني.
وبعد كل هذا الحب، وجدت أن الطيران إليها أمر طبيعي، وتعجبت أن أجنحةً لم تخرج من بين عضديّ، وأن قوةً خارقة لم تنبعث في قدميّ لأقفز قفزتين فأكون عندها، وتعجبت من هذه الأرض التي لا تُطوى من تحتي، وسألت نفسي: “هل تباعدت المسافة بين المدرسة والبيت، أم أن بدانة جسمي وثقل وزني هما سبب تأخري عليها؟” وأجبت نفسي أيضًا: “لا أظن ذلك، فأنا رغم هذه البدانة – الوفية التي تصر على صحبتي حتى اليوم – كنت رشيق الحركة”، وكنت أُشاكس الكبار والصغار ثم أعدو فلا يلحقون بي، وكنت أصعد فوق شجر التوت المصطف على أطراف بلدتنا مثل الحراس الذين يصطفون على الحدود لحراستها، وكنت أَثِبُ فوق مصاطب حارتنا وثبة أَلِقَة كوثبة قِطٍّ أرعنٍ يثق أنه لن يسقط.
لذلك صرت أركض وأركض بجسمي البدين، وبحقيبتي المملوءة بالكتب وغير الكتب، أحملها على ظهري، وأحمل في يديّ شهادة تقدير، ووردة بيضاء تسلمناها من أجل عيد الأم، وتبدو لناظري – بعد عناء الركض – مشارف حارتنا، فأصيح مناديًا أمي وأنا لا زلت أركض ولم أبلغ البيت بعد، وما إن تسمع هي هذا النداء المحبب إليها؛ تفتح الباب على مصراعيه وتجيبني هي الأخرى بصياح يشبه صياحي، وتراني أمي وأنا أحمل إليها شهادتي ووردتي في لهفة كمن استخلص لقمة من فم الأسد، وفي فخر كمن أحضر الذئب من ذيله.
عندئذ، كالعادة، طوقتني نظرتها الساحرة قبل ذراعيها، نظرة تحمل مزيجًا من المشاعر، فيها الفرحة والتباهي والمرح والضحك من فعل هذا الصبي الملهوف، صادقُ المشاعر وبريؤها.
وظل هذا المشهد في ذاكرتينا، وكانت أمي بعد ذلك تقصه عليّ مرارًا، وتعقبه بتعليق جدتي الممتعض – وهي جدتي لأبي – فكانت تقول لها بسخرية تبدو ودودة لكنها تحمل الحنق في طياتها:
“المفروض ينتخبوكِ الأم المثالية..”
﴿٢﴾
كنا جلوسًا ذات مرة على مائدة الطعام في وقت العشاء، وكانت أمي قد طهت لنا من طعام البحر ما لا أطيقه، وكنت أنزعج كثيرًا عندما أجده، لأن شوكه كان أكثر من لحمه، وكنت أعلم عاقبتي معه، فإذا سلمت من شوكه لن أسلم من رائحته التي تحتل الفم وتستبيح حرمته، وتجعلني أبتعد بوجهي كلما خاطبني أحد كي لا ينفر من رائحة هذا المحتل. وأنا أنعته بالمحتل لأنني كنت آكله كُرْهًا بأمر من أبي وبإلحاح من أمي، ثم استقرت شوكة غليظة في حلقي، فتحشرج صوتي وتقطع نفسي، وفزعت إلى المرحاض لأمجّ الشوكة من حلقي ولا فائدة، فتمادت حشرجة الصوت والنفس حتى اختنقت لبضع ثوان، فورد لذهني أني سأموت على أثر تلك الشوكة، وتصالحت مع الأمر واستسلمت، لكن خطرت لي أمي، فنظرت إلى الخلف هنيهة، فوجدت الفزع بعينيها، والفاه الفاغر منها قد أُرْخِي، ويداي اهتزت من رعشة كفيها التي أمسكت بي، فأشفقت عليها، واطلع الله على قلبي وعلى إشفاقي عليها، فأزال الشوكة من حلقي، فضحكت لأجل أطمئنها، وسمعت زفير الراحة منها، وهدأ روعي من هدوء روعها؛ تلك النظرة، نظرتها الهلعة، كانت طوق نجاة آخر من جملة ما ألقته إليّ كثيرًا من أطواق، أبقاني الله ببركتها حيًّا أُرزق حتى الآن. كانت نظرة خوف ورجاءٍ وتبتل، كانت حقًّا طوق نجاة.
فكنت أحرص على نفسي لأجلها، أتجنب ما تعودت عليه من المشاجرة والعراك مع كل خلق الله لأجلها، ولأنني الأكبر في إخوتي، كنت دائمًا أشعر بالمسؤولية تجاه أمي وأبي وأخواي، وكان هذا الشعور يزداد كلما ازداد تقدمهما في السن، ولأنها شديدة الملاحظة؛ كانت تعرف هذا الشعور فيّ.
﴿٣﴾
كنت كلما فعلت شيئًا تشعر معه أمي أنني صرت رجلًا ولم أعد هذا الطفل الأرعن – رعونة كانت محببة إليها – ألاحظ في عينيها نظرة تشف كالماء، وتتلون بكل حالة يقتضيها ذلك الفعل. فمثلًا؛ عندما أغضب لرؤية نافذة الغرفة مفتوحة في وقت نشور أو حتى وقت سكون، تتلون نظرتها بحبور مكتوم، وتردد في ضجر مسرور: “كان الله لزوجتك معين. أتغار على أمك! وهي ذي تستدعي الخمسين من عمرها! فكيف بمن تتزوجها؟ أظنك سوف تحجّب عنها النور!” ثم إذا رأتني أتحدث عن تلك المرجوة لي زوجة؛ تتلون نظرتها بمزاح متأمل وتقول: “أكبرت وتبغي الزوجة؟”
فأبتسم بصمت وحياء.
أو مثلًا عند دخول نقاش حاد حول قضية يلتبس الأمر بساحتها، وأصر على رأيي، وأصر على أن أدحض حجّتها بالمنطق، لأنني أعلم أن العاطفة تغلب عليها في الحكم على الأشياء، لكن لأنني أعهد لها قلبًا حليمًا كقلب إبراهيم عليه السلام – يُشفق على كل خلق الله؛ طالحهم قبل صالحهم – أحمد الله في نفسي على أن أورثني منها هذا القلب الإبراهيمي الأوّاه، لكن الله أن وهبني من القدرة حين أحكم على شيء ألا تختلط العاطفة بالحق، فأقول ما أراه حقًّا، ثم أعلن إشفاقي على أيّ الجانبين، وإن لم يكن جانب الحق، لكن قول الحق واجب، واتباعه فرض لا علاقة له بما نحمل من شفقة وأسف وأسى على من يُخالفه. وساعتها أرقب منها نظرات تتراجع، تُدعن للحق الخالص، وهذا هو طوق نجاة ثالث تلقفته من جملة أطواق كثيرة تملؤ ذاكرتي؛ وهو نصرة الحق ولو عل أنفسنا، كل ذلك وأكثر وجدته في نظرات أمي بل أطواقها.
نظرات
كالأمواه مصفاة
لا تعرف للكبر طريق
كألاطواق بوقت نجاة
تتشبث في خصر غريق.
![]()
