الكاتب محمد خطاب
هناك، في زاوية بعيدة من هذا العالم، ينام الجوع على أرصفة غزة، يتوسّد صدور الأطفال ويغلق عيونهم قبل أن يذوقوا طعم الحليب. هناك أمٌّ تضع يديها الفارغتين على بطنها الخاوي، تبتلع غصّة العجز وهي ترى أبناءها يتضورون جوعًا. لا قصف أشد وقعًا من أن ترى صغارك يتألمون بصمت، ولا سلاح أقسى من الجوع حين يتحوّل إلى سكين يقطع شرايين الروح ببطء.
فلسطين ليست قصةً تُروى في كتب التاريخ، وليست خريطةً يمرّ عليها الطلاب في دفاتر الجغرافيا؛ فلسطين وجوهٌ منهكة، ودموعٌ تختبئ في عيون الكبار كي لا يراها الصغار. هي رغيفٌ مكسور لم يصل إلى الطاولة، وجرعة ماءٍ لم تجد طريقها إلى شفاه العطشى.
في ليلها الطويل، لا ينام القمر، يطلّ على البيوت المهدّمة، ويضيء على قبور صغار رحلوا قبل أن يتعلّموا نطق الكلمة الأولى. أيُّ قلم يستطيع أن يكتب وجعًا كهذا؟ وأيّ قلب يستطيع أن يصفح عن عالمٍ يكتفي بالمشاهدة؟
إن فلسطين هي القصيدة التي كُتبت بالدم، وهي الأغنية التي يُغنّيها الألم بدل الأوتار. كل حجر فيها يشهد، وكل شجرة زيتون تحفظ السرّ منذ قرون. في شوارعها الممزّقة، يركض الأطفال حفاةً، يضحكون رغم الجوع، كأنهم يعلنون للعالم أن الحياة أقوى من الموت، وأن الأمل رغم كل شيء لا يُحاصر.
ليس في الأمر سياسة ولا شعارات، بل إنسانية عارية، ترتجف أمام مشهد طفلٍ يبحث في أنقاض بيته عن لعبته الضائعة، أو شيخٍ يقبض على مفتاح بيته المهدّم كأنه آخر ما تبقّى له من العمر.
فلسطين ليست بعيدة… إنها داخلك، في رعشة قلبك حين ترى المأساة، في قشعريرة جسدك حين تسمع أنين الجوعى. إنها سؤالٌ يلاحق كل إنسان: أيليق بنا أن نصمت بينما هناك من يتنفس الألم بدل الهواء؟
فلسطين يا وجعًا علّمني أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأمل لا يُقتل. ستبقين القصيدة التي تبكيها الحروف، والجرح الذي يُوقظ الضمير كلما حاول أن ينام.
![]()
