الكاتبة منال ربيعي
الملك الذي التهمه جوعه”
“أنا الملك الذي لم يعرف حدًّا لرغبته. أنا الذي وقفت فوق العروش وقلت: الأرض لي، والأشجار لي، وما من قوة في السماء تمنعني أن أفعل ما أريد.”
في صباحٍ، حين كان الضباب يعلو الغابة، رفعت بصري وقالت نفسي:
“لن أكتفي بقصرٍ يملأه الذهب. أريد قاعةً للطعام، قاعةً عظيمة تليق بمولاي أنا، حيث تتدفق الخمور كأنهار، وتشتعل اللحوم فوق المائدة ليل نهار.”
أشاروا عليّ وقالوا:
“هناك شجرة مقدسة، نذرت لها القرى القرابين، يقال إن روح ديميتير تسكنها.”
فضحكت، ضحكةً رجّت أعمدة القصر:
“ديميتير؟ إلهة الحقول؟ أين هي الآن؟ هل تراها عيني؟ كل ما أراه خشبًا صلبًا سيصبح سقفًا لمائدتي.”
أخذت فأسًا من حديد، وسرت مع رجالي نحو الغابة. كل خطوةٍ كانت تفتح شهية أحلامي، كنت أرى القاعة في خيالي، تمتد بلا نهاية، والجدران مرصّعة بلحومٍ مشوية، والنساء يسكبن النبيذ في كؤوس لا تفرغ.
حتى بلغتُ الشجرة. آه، يا له من منظر! جذع عظيم كعمودٍ من نور، أغصانه تمسّ السماء، وأكاليل من الأزهار تتدلى منه كجدائل العذارى. قال لي أحدهم بصوت مرتجف:
“مولاي، لا تفعل! هذه الشجرة بيت الإلهة، من يقطعها تهلكه اللعنة.”
فنظرت إليه بازدراء، وصرخت:
“أنا الملك، واللعنات لا تسكن إلا قلوب الجبناء!”
رفعت الفأس، وهوت على الجذع، فارتجت الأرض، وسال من الشجرة دمٌ أخضر، دم الأرض نفسها! وعندها سمعت صوتًا يزلزل كل عظمة في جسدي، صوتًا جاء من بين الغيوم:
“إيريسيكثون… بما أنك جعت إلى الولائم، سأهبك جوعًا لا يهدأ… جوعًا يحرقك حتى تفني نفسك.”
اختفى الصوت، وضحكت! ظننتها كلمات ريحٍ عابثة، وعدت إلى قصري، لم أدرِ أن الهلاك كان يسبقني بخطوة.
ما إن جلستُ إلى مائدتي، حتى شعرت بشيءٍ يشتعل في أحشائي. جوع؟ لا، كان نارًا تتأجج. التهمت خبزًا، ثم آخر، ثم أكوامًا من اللحم، شربت جرار الخمر دفعةً واحدة، لكن النار كبرت!
صرخت:
“هاتوا المزيد! المزيد! أريد كل طعام المملكة!”
جاؤوا بالأطباق، بالعجول، بالأسماك، بأكوام القمح، فلم يكفِ. أكلتُ حتى ثقلت الأرض بي، لكن النار ما خمدت.
بعت ذهبي، بعت أرضي، ثم… آه، لعنات السماء، بعت ابنتي، دمي ولحمي، بثمن كومة خبز! لكن النار ظلّت تنهشني.
هزل جسدي، ذابت عظامي تحت جلدي، حتى وجدت نفسي وحيدًا، جالسًا على الأرض، ألتهم يدي بأسناني. كنت أسمع صرير عظمي وأنا أمزقه، والدم يسيل في فمي، ولا شيء… ولا شيء يطفئ النار.
وفي آخر لحظة، نظرت إلى الشجرة التي قطعتها، كانت تقف شامخة، كأنها تسخر بي. همست، وفمي يقطر بالدم:
“ربحتِ يا ديميتير… لكني كنت ملكًا، ملكًا لم يركع حتى وهو يفني نفسه.”
ثم… لم يبقَ مني إلا العظام، تلمع في التراب، درسًا يرويه الهواء.
لم يبقَ له شيء، حتى صار جسده هزيلًا، عيناه محمرّتان كجمرتين. جلس على الأرض، كالمسعور، ينهش يديه بأسنانه، يمزق لحم صدره، يصرخ صرخات تسمعها الرياح.
وفي فجرٍ دامس، لم يبقَ منه إلا عظام بيضاء تلمع تحت الشجرة التي دنسها. هناك، سمعتُ الريح تردد اسمه:
“إيريسيكثون… درسٌ للبشر جميعًا.”
وأنا، ديميتير، عدتُ إلى حقولي، أزرع السنابل، أعلّمهم أن الأرض أمٌّ، ومن يطعن الأم، تقتله أحشاؤه.”
![]()
