...
Img 20250827 wa0002

الكاتبة منال ربيعي 

 

أسمع صوتي في داخلي… كأنني أختفي شيئًا فشيئًا. الغرفة باهتة، جدرانها رمادية كرماد قلبي، والضوء المتسلّل من النافذة ليس ضوءًا، بل من شظايا شمسٍ باردة، عاجزة عن تدفئتي.

 

لا أحد يدري أنني أموت الآن… ليس موتًا يراه الناس، بل موتًا بطيئًا، صامتًا، يلتهمني من الداخل.

يظنون أنّ هذه الدموع ماءٌ مالح، لكنهم لا يعرفون… لا يعرفون أنّها بقايا لهبٍ ذائب، قطرات نار اختبأت في ملوحة الحزن، خرجت من أعماقي كي لا أشتعل وحدي. تحرق جفوني كحواف الحديد المحمى، تكوي عيني حتى يصير كل ما أراه غائمًا، ضبابيًّا، بلا ملامح.

 

شفتيّ… يا الله، كم صار طعمها مُرًّا! كأنني ألعق صدأً قديمًا. أعضّها كي أخمد لهبًا لا ينطفئ، ثم أبتلع غصّاتٍ تشبه شظايا زجاج انكسرت في حلقي.

 

كنت أظن أن الموت نهاية الحياة، لكنني اكتشفت أنّ النهاية تبدأ ونحن أحياء. تبدأ حين تفقد الأشياء ألوانها… حين ينطفئ الأحمر في الدم، ويبهت الأخضر في الشجر، ويصير الأزرق باهتًا كجثة بحر. حين تتحوّل الأصوات إلى همهمة بعيدة، كأن العالم ينسحب من أذنيّ، تاركًا وراءه صمتًا كثيفًا يضغط على صدري كحجرٍ أسود.

 

الخوف يشبه الأمان، والحزن يشبه السعادة، والموت يشبه الحياة… كلها رماد، رماد يطفو في عتمة رمادية.

أشعر أنني ظلّ، شبح يطفو في هواء بارد، خفيف، شفاف… جسدي صار ثقيلًا كحجر، وأطرافي متيبّسة كأغصان ميتة في شتاء طويل. أمدّ يدي لأمسك شيئًا، لكن لا شيء هناك. لا شيء… حتى اسمي صار بعيدًا عني، يتلاشى كصوتٍ يذوب في الضباب.

 

هناك في آخر الممر، أرى نورًا… لكنه ليس نورًا حارًّا، بل بياضًا صامتًا، بلا حرارة، بلا حياة. يقترب ببطء، كثلجٍ يزحف نحوي. لكن… لحظة، خلفه ظلّ ذهبي، خيط من شمس لا تشبه شمس الدنيا. يتسع الخيط حتى يصير نهرًا من نور، نهرًا لا ماء فيه، بل رحمة، دفء، سكينة.

 

أسمع نداءً لا يشبه صوت البشر… نداءً ينساب في داخلي بلا حروف: “تعال… لقد انتهى الحريق.”

فجأة، شعرت أن النار التي أحرقتني انطفأت، وأن الرماد صار أجنحة. أجنحة بيضاء، تحملني بعيدًا عن الرمادي، بعيدًا عن البرد، بعيدًا عن كل شيء كنت أعرفه.

 

ألتفت إلى جسدي… لا شيء فيه منّي. مجرد غلافٍ فارغ. أما أنا… فأنا أطير نحو نورٍ لا بداية له ولا نهاية، نور يهمس في قلبي: “هنا الحياة… ليست التي تركتها، بل الحياة التي وُعدت بها.”

وأخيرًا… أشعر أنني حيّ

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *