الكاتبة منال ربيعي
كلما اقتربت من بيت جدي، يسبقني قلبي بخطوة. كأنني لا أذهب إلى جدران قديمة، بل إلى حضنٍ ما زال ينتظرني. الطريق المؤدي إليه مغمور بلون الغروب البرتقالي، والهواء يعبق برائحة تراب مبتلّ كأنه اغتسل للتو بمطرٍ عابر. حتى الحجارة الصغيرة تحت قدمي تصدر طقطقة مألوفة، تحفظ وقع خطاي منذ طفولتي.
أمام الباب الخشبي الثقيل، يأتيني صريره كأنغامٍ قديمة لم تتوقف. أمدّ يدي إليه، فأشعر بخشونته التي خبّأت حنان السنين، وأهمس: “ها أنا عدت”. في طرف الذاكرة، أرى جدتي على المصطبة، ترتدي ثوبًا أبيض تتناثر عليه أزهار زرقاء باهتة، بين يديها إبريق شاي يفوح منه عطر النعناع الأخضر، وصوت غليانه يملأ الساحة كأغنية صغيرة.
حين أعبر العتبة، تتسع روحي. المطبخ ما زال يفيض بدفء الحطب المشتعل، ورائحة الخبز الساخن تتسلل كحضنٍ آخر. في الممر، ضحكاتنا القديمة تتردد كأصداء بعيدة، تختلط مع صرير الأبواب التي كنا نركض بينها. في الركن المضاء بنورٍ أصفر خافت، ما زالت مسبحة جدي معلقة، يتدلى معها صوته المتهدّج وهو يسبّح بحباتها كأنها نجوم صغيرة لا تنطفئ.
أجلس على البلاط البارد قليلًا، أغمض عينيّ وأترك البيت يتحدث إليّ. الجدران بلونها الترابي تحاورني، تسألني عن غيابي. السقف العتيق، الموشى بخشبٍ داكن، يحنو عليّ كأبٍ ممدّد اليدين. حتى نوافذ البيت، بأخشابها الزرقاء المتقشرة، تفتح ذراعيها للهواء وكأنها ما زالت تستنشق أنفاسنا.
هذا البيت لم يكن مكانًا فحسب، بل حياة كاملة تلبّستنا. هو امتداد لروحي، بيتٌ كلما مررت به صافحني بظلّه وضمني برائحته، حتى وإن بقيت أبوابه موصدة.
ولهذا، حين أغادره، لا أشيح بوجهي. ألقي عليه السلام وأترك له ودّي، كما لو كان إنسانًا يعرفني كما أعرفه، ويحبني كما أحببته دومًا… وأمضي، وقد علقت على أهدابي دمعة تشبه حبة ياسمين سقطت من نافذة قديمة.
![]()
