...
Img 20250903 wa0028

الكاتبة رحمة سُليمان

 

أفلتَ خيطُ النورِ من بينِ أناملِ الغروبِ، تاركًا خلفه سماءً ممزقة الألوان، شفقٌ يمتدّ كنزيفٍ صامتٍ على صفحةِ الأفق. في تلك اللحظةِ الموشحةِ بالظلال، حيثُ يتلاشى صخبُ النهارِ ليحلّ محلّه هدوءٌ ثقيلٌ، كانت مدينةٌ بأكملها تستعدّ لترتديَ وشاحَ الليل. مصابيحُ الشوارعِ بدأتْ تتوهجُ خجلاً، تضيءُ طرقاتٍ لم تعدْ تحملُ سوى أصداءَ خطواتٍ متعبةٍ ووعودٍ مؤجلة. وفي زاويةٍ منسيةٍ من ذلك المشهدِ، كانت هناك نافذةٌ وحيدةٌ تنظرُ إلى الفراغِ، تستقبلُ حكاياتِ الريحِ الباردةِ التي تحملُ معها عبقَ الماضي وأسرارَ الغدِ المجهول.

 

كانت تجلس بجانب النافذة فتاةٌ في العشرين من عمرها، الظلام يحيط بها من الخارج، كما يملأها من الداخل، كديجورٍ يسكن الروح. خيوط القمر منسدلة عليها من النافذة، وكأنها تبعث برسالةٍ ما. تنظر إلى الشوارع التي يغلفها السكون، وتحمل بين أناملها كوب قهوة تجمّد منذ زمن. عيناها البنيتان تحدّقان في القمر، والشرود يأخذها إلى ذكريات مضت، عالم لا يعلمه سواها.

 

لمعت عيناها، وسقطت دموعها بغزارة. عادت بذاكرتها إلى تلك الخيبة التي توقف عندها كل شيء، ولم تعد هي الفتاة الباسمة، الضاحكة التي كانت بالأمس. أصبحت باهتة اللون، مشحوبة الوجه، منطفئة النظرات. وضعت الكوب جانبًا، ونهضت بخطى مثقلة، وجلست على مقعد مكتبها. أخرجت مدونتها من درجها، فتحتها على إحدى الصفحات، ثم بدأت تكتب:

 

“تحطّم حلم السنوات الخمس، الحلم الذي بنيتُ عليه كياني كله. خمسة عشر عامًا لم أحلم سوى بهذه الجامعة. فعلت ما بوسعي لأصل إليها، ولم أصل. الثانوية العامة أخذت زهرة شبابي وذبّلتها. حلمي بجامعة الطب أصبح الآن حلمًا لغيري.”

 

أغلقت القلم، وأعادته إلى الدرج، ثم نهضت متجهة إلى الفراش. ارتمت عليه بتعب شديد، والشهقات تعلو داخلها، حتى خلدت للنوم.

 

أشرقت الشمس، وفي طيات ضوئها أملٌ ليومٍ جديد، ينير عتمة ليلة الأمس المظلمة.

 

هبة (الأم): ليلى، ألم تفيقي بعد؟ انهضي يا عزيزتي لتستقبلي يومكِ الجديد في الجامعة.

ليلى (بنعاس): أتركيني يا أمي قليلًا…

هبة: سأعد الفطور، هيا، الحقيني.

 

نهضت ليلى بضجر وضيق، لكنها حاولت تخطي ليلة الأمس. ذهبت إلى المرحاض، نظرت إلى المرآة، وتحدثت إلى نفسها وهي تحاول الابتسام:

“سوف نبدأ حلمًا جديدًا يا ليلى.”

 

أعدّت أغراضها، وارتدت ثوبها الأبيض وحجابها البني، وتناولت الإفطار سريعًا مع عائلتها.

 

ماهر (والدها): ليلى…

نظرت إليه بترقّب، تنتظر أن يكمل.

ماهر: أنا فخور بكِ، وأعلم أن تلك التلميذة المجتهدة ستصبح فتاة جامعية مجتهدة أيضًا.

 

ابتسمت له، ووعدته بذلك. حملت حقيبتها، وذهبت في الحافلة. كانت طوال الرحلة مائلة على زجاج النافذة، تفكر فيما ينتظرها، حتى أوقف شرودها وصولها.

 

هبطت منها، ووقفت أمام بوابة الجامعة، نظرت إلى اللافتة:

“كلية الزراعة – جامعة عين شمس”

 

أخذت نفسًا عميقًا، و وسارت بخطوات مثقلة، لكنها عزمت مع دخولها وهي تردد:

“إن لم أنجح في حلمي، فسوف أنجح في الحُلم الذي اختاره الله لي.”

 

وبعد أسبوع من الدراسة، تعرّفت على صديقتها الغالية “نورا”، التي جعلت الجامعة أخفّ على قلبها. كانت معها في الصف الأول، وشاركتها كل شيء بعزيمة ومثابرة، ودعم متبادل.

 

 

وبعد خمس سنوات…

 

ردد أحد الحضور في حفل تكريمها:

“الدكتورة ليلى ماهر”

 

نالت ليلى اللقب بعد عناء ومشقة، وأثبتت كفاءتها في مجال الزراعة، ذلك المجال الذي كانت تبغضه بالأمس، وأصبح اليوم حلمها الحاضر والمستقبل.

 

استطاعت أن تحلم من جديد، وأن تحقق ما يناسبها. ذهبت إلى التكريم، ورأت الفخر في عيون والديها، بعدما رأت الانكسار فيهما ذات يوم. صفق لها الحضور بحرارة، وتلقت كلمات الإعجاب على ما وصلت إليه من خلال أبحاثها في القسم.

 

سقطت دمعة، لكن هذه المرة من شدة الفرح. لم تكن تعلم ما يدبّره الله لها، لكنها كانت واثقة أنه شيء جميل.

فلا يأتي من الحبيب إلا كل ما هو جميل.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *