الكاتب: محمد طاهر سيَّار الخميسي
أتصوركِ مَلَكًا من ملائكة السماء، تحفُّ بوجهكِ هالةٌ من النور في وسط جبينكِ الوضاح، ولكِ جناحان أبيضان يتلألآن بالأشعة البنفسجية، وخصران متمائلان، وبين أضلاعكِ نفسٌ كبيرة تختلف عن النفوس، وقلبًا في جوهره معدنٌ نادر.
قد زيّنكِ الله بجميع صفات الكمال، وطهّر روحكِ من أدناس الحياة ومن شهواتها، وملّككِ جسمًا أنوثيًّا ناعمًا ممتزجًا بالصفاء والنقاء. لا تغترّين بلذةٍ من اللذائذ، ولا تعرفين المجون ولا العشق قبل مجيئي إليكِ.
فلا تغرّكِ شهوة السعادة والشقاء، ولا يغركِ الغنى والفقر، إنما كوني مغرورةً بافتتانكِ في الراحة والتعب بطعم الطموح. لقد عجبتُ بكِ حدّ العشق والمجون، من ذلك الحين حينما نظرتُ إلى تلك الرقع المدبّجة بالمخطوطات.
آه لو كنتُ معكِ ونقبض معًا على القلم، حتى تغوص أصابعنا بالحبر والمداد، ونبصم بصمات العشق، ونملأ أوراق الدفاتر بكتابة الخواطر التي تلامس شغاف القلوب، وتشعر بالسعادة والسرور، بنكهةٍ أدبيةٍ خياليةٍ خاليةٍ من شوائب الحزن.
أما والله، لقد أعدتِ روحي إلى جسدي بوجهكِ النوراني الهاطل من قبس السماء، من بعد ما كادت روحي أن تفارقني خلسةً، وفارقني الجميع من حولي، وبقيتِ أنتِ شامخةً، وكلماتكِ جميعها عالقةٌ في ذهني إلى الأبد.
لا تنحسري عن عيني، أبقي ماثلةً أمامي دون خجل، ها هو القلب بات هامًّا بكِ، وجفني جافاه الرقاد، وجسمي زاد نحولًا وسقمًا. لا أحتاج إلى مراهم لجراحي وآلامي، ولا أريد حقنةَ مخدّرٍ موضعي، لا أريد شيئًا من عقاقير الدواء الذي ترصّينه على رفوف صيدليتكِ، لا أريدكِ إلا أنتِ، لأنكِ الطبيب والدواء.
ها أنا أعترفُ لكِ، من بعد ما بزغَ نوركِ في سماء عتمتي، زال عن قلبي غشاوةُ الحب الأول، ودخلتِ أنتِ بلا استئذان، حتى انمحى ذلك الذي كان في القلب وهمًا، وكان في الخيال ضلالًا، إثمًا، وحبًّا جاثمًا بالهمّ والنكد.
لكِ الآن أن تخبريني: هل أرى فرقًا ما بينكِ وبين تلك الصورة الخيالية الهائمة الآن في رأسي؟
إنه عندئذٍ لا بد أن أراكِ حقيقةً، وأن لا تشاطريني بوجهكِ الحياء، ولا تديرين بوجهكِ عني.
إذا فعلتِ، سأحتقركِ، وأهوي بكِ إلى أدنى دركات الذلّ والشقاء، ولا نهاية للغرق في الحب.
![]()
