كتب: أحمد فارس
كنتُ في المدينة البعيدة، حيث لا طعام ولا شراب، فقط تُباع العقول — نعم، العقول تُعرض على الأرصفة مقابل مبالغ بخسة.
المدينة البعيدة، حيث تُقال الكلمة الطيبة مقابل حفنةٍ من الأموال، وحيث تسمع أناشيد المتطهّرين في السر، دون أن يشعر أحد.
في هذه المدينة، أغنياؤها فقراؤها، وفقراؤها أغنياؤها.
يسير الناس فيها بوجوهٍ مطليةٍ بالابتسامات، يخشون أن تسقط ملامحهم الحقيقية أمام الضوء، فينكشف الفراغ بداخلهم.
الأطفال هناك لا يلعبون، بل يتدرّبون على التمثيل منذ الصغر، والكتب تُستخدم لتزيين النوافذ، لا لفتح العقول.
أما السوق، فهو أزحم مكانٍ في المدينة، تُباع فيه الضمائر بالتقسيط، وتُشترى الشهرة بالصراخ.
ومن لا يملك صوتًا عاليًا، يُنفى إلى الصمت، حيث لا يسمعه أحد.
وقانون هذه المدينة بسيط: البقاء للأقوى دائمًا.
لكن القوّة فيها لا تُقاس بالحق، بل بقدرتك على سحق من يفكّر أو يصمت.
كنت أظنّني غريبًا عنها، أراقبها من بعيد كمن يشاهد فيلمًا صامتًا عن الجنون.
لكنّ السؤال بدأ ينهشني شيئًا فشيئًا:
هل أصبحتُ أنا أيضًا جزءًا من هذه المدينة؟
هل تسرّبت الوحشية إلى داخلي دون أن أشعر؟
ربما حين صمتُّ عن الكذب، كنتُ أشارك فيه بصمتي.
وربما حين سخرتُ من التفاهة، كنتُ أطلب لنفسي نصيبًا صغيرًا منها… فقط لأشعر أنني موجود.
وحين حاولتُ الهروب من المدينة، اكتشفتُ أنه لا مكان يناسبني.
كلّ الأمكنة غارقة في الوحل، كأن الطهر صار تهمةً لا تُغفر.
وكما قال أحد المغنّين الأتراك:
كنتُ كالشتلة واقتُلعت،
كنتُ كالعاصفة وتوقّفت،
تعبت… تعبتُ جدًّا.
عندها أدركتُ أن الهروب ليس من المدينة، بل منّي أنا، من ذلك الجزء الذي صدّق أن النجاة ممكنة في زمنٍ يصفّق للوحوش ويصفّق للضحايا معًا.
![]()
