...
Img 20251015 wa0003

 

 

الكاتبة سارة عماد

 

أحترق من الداخل، ببطءٍ مؤلم، كمن يسكنه لهبٌ لا يُرى، نارٌ تشتعل في صدري دون صوت، تأكل كلّ ما تبقّى منّي، وتترك وراءها رمادًا ودخانًا يعلو في صمت.

لا أحد يدري أنّ هذا الهدوء الذي أبدو عليه ليس طمأنينة، بل سكون ما قبل الانهيار، لا أحد يلاحظ أن عينيّ صارتا باهتتين لأنّ الدخان غطّى نورهما، وأنّ قلبي لم يعد يخفق بفرح، بل بحرارة الألم، كلّ يومٍ يُحترق شيءٌ جديد في داخلي؛ ذكرى، أمل، رغبة في البقاء؛ حتى الكلمات التي كانت تواسيني، صارت تؤلمني؛ كأنّها تُحرّك الرماد المتجمّع على جرحي.

أُخفي اللهب بابتسامة، وأكتم الدخان في صدري كي لا يراه أحد، أخاف أن يقترب أحدهم فيشمّ رائحة الاحتراق؛ فيعرف كم أنا متعب، وكم صرت هشًّا من الداخل.

أعيش كمن يتنفّس رماده، أتحدث والحرارة تلسع صدري، أضحك بينما النار تأكل آخر ما تبقّى منّي، تظنّون أنّي بخير؟

لا أحد بخير وهو يحترق في صمت؛ لقد احترقت حتى لم يعد في داخلي سوى الرماد، رمادُ أحلامٍ ذبلت قبل أن تكتمل، رمادُ مشاعرٍ أُهملت حتى خمدت، رمادُ قلبٍ حاول أن يظلّ طيّبًا وسط اللهب، فلم يستطع.

إنّ الاحتراق الداخلي لا يُرى،

لكنه يُشعَر، في العيون التي أطفأها الحزن، في الصوت الذي صار مبحوحًا من كثرة الكتمان، وفي القلب الذي ما زال ينبض رغم أنه أصبح رمادًا حيًّا، أنا لا أحتاج إلى من يُطفئ ناري، أحتاج فقط إلى من يفهم أنّني أُحترق حقًّا، أنّ الدخان الذي يعلو منّي ليس مجرّد حزن،

بل صرخةٌ مكبوتة، صرخة قلبٍ ذابَ ولم يجرؤ أحدٌ على لمس وجعه.

أحترق داخليًا، ولا أحد يدري؛ لكنّي أعلم أن النار لا تبقى إلى الأبد، وأنّ الرماد يومًا ما سيهدأ، وسأقوم منه، ولو متعبًا، تمامًا كما يقوم الجمر بعد المطر؛ ليُضيء من جديد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *