الكاتبه أمل سامح
في يدها المفتاح، لا كقطعة صدئة من الحديد… بل كقلبٍ لم يصدأ رغم مرور العمر.
تمسكه كما يمسك الغريق آخر أنفاسه، تحدّق فيه وكأنها ترى بيتها من خلال ثقوبه الصغيرة: جدرانٌ من طين، شجرة زيتون على الباب، وضحكةٌ غابت منذ النكبة.
ذلك المفتاح الذي يراه العالم “قديمًا بلا فائدة”،
هو عندها وطنٌ بأكمله.
هو بابُ دارٍ ما زالت تحفظ رائحته،
هو نافذة تطلّ منها على الماضي الذي لم يرحل.
تقبض عليه بأصابعٍ نحلها الزمن،
لكنها حين ترفعه، تشتعل عيناها كأنّها ما زالت هناك…
كأنّها ما زالت تسمع وقع أقدام إخوتها وهم يركضون في ساحة البيت،
كأنّ جدران بيتها تناديها من بعيد:
“لم نُهدم… نحن ننتظر عودتكم.”
المفتاح ليس معدنًا باردًا،
إنه ذاكرة من نار،
يحمل في تجاعيدها حكاية عمرٍ لم يُنسَ،
وأجيالٍ وُلدت على الوعد بأن الباب سيُفتح يومًا ما.
هي لا تبكي حين تنظر إليه…
لأنّ الدمع لا يليق بالعظماء.
لكن ملامحها المنهكة تقول كل شيء:
أنّ الوطن ليس خريطة، بل وجعٌ نحمله في جيوبنا،
وأنّ البيوت لا تموت… بل تنتظر أصحابها بصبرٍ يفوق صبر البشر.
ذلك المفتاح…
هو العهد الأخير بين الجيل الذي رحل، والجيل الذي سيعود.
هو الصوت الصامت الذي يقول:
“ما زلتُ أملك البيت، وإن سرقوه.”
![]()
