...
Img 20250613 wa0273

كتبت: خديجة محمود عوض 

 

يُقـال إنّ متـعة الرِحلة كامنـة في خَوضِ التجربةِ، ولطالما صدّقـتُ هذه المقـولة وآمنتُ بِهـا، غير أنّي أكفـرُ بِهَـا حين تمـسُّ التجربة جدران قلـبٍ ذَاق وبـال أمره، حتى تخثّـر فيـه النـبض، قلبٍ خفَقَ يومًـا بحبٍّ، فجاء الفقد فأنهاه، أو أضاءه أملٌ، شقّ عتمة الدروب ليزهر، فأتاه اليأس يعدو مهرولًا فأطفأه.

الأملُ كثيرًا ما يُخلفُه الألَـم، وكأن الحروف قد بادلت أماكنها عمـدًا؛ فتبدّلت معانيها، وحَـلَّ العبوس محلّ التبسم، وتوارىٰ الفرح تحت عباءة الشجن الدفين.

 

غير أنّ الحقيقة التي لا منـَاص منها، أنّ القلوب لا تُقبَـر فِعلًا، بل تُودَع في توابيت الصبر، تئـنُّ بِصمتٍ موحش، وتنبض بخفقةٍ خافتـة، لا يُـسمَع لها هَمسٌ، وهُناك تحديدًا تبدأ الرحلة الأثقل والأعمق، ليست رحلة الحُبِّ، ولا السَعي، ولا الحُلـم، بل رحلة النجاة بعد الانطفاء.

 

● كيف يتغيّر منظورنا بعد الخيبة؟

حين تُخـذل أرواحُنا، نظنّ أنّ الأرض قد مَـالت، وأنّ السماء انشقـت، وأنّ الزلزلة التي مسّتنا ستلازمنا أبدًا،

لكن الحقيقة أن الذي تغيّر لَم يَكن الكـون، بل نحن.. لم تكُـن زلزلة، بَل رَجفة قَلـبٍ نقيّ أبىٰ أن يستوعب أن الخذلان يمكن أن يُصيب الحَالمـين.

 

عندها نكفّ عن تصديق العبارات المُعلَبة عن الطمأنينة،

نُقلِع عن الركض خلف الأبواب المشرعة دون حراسة، نُدرك أن الوجوه قـد تخدع، وأن النوايا الطيّبة لا تقي من السـقوط، بل تُعركلنا حتى نسقط في حُفرة لا نهاية لها.

لكننا في المقابل، نُبصر بعيون أشدّ نفاذًا، نُميّـز مَن يستحق البقاء، مِمَـن يُجيد التخلّي، نُفرِّق بين الكفّ التي تُربّت علىٰ جُرحنا، وتلك التي تحفره بأصابع ناعمة الملمس، قاتلة المدى.. لَم نعد نبكي من أول وخزة، ولا نُصدّق كل وعدٍ مدهون بالعسل.. صرنا أكثر حذرًا، نعم، لكننا أيضًا، وأكثر من أي وقتٍ مضى، أصدق مع أنفسنا.

 

● كيف ننجو دون أن نتحجّر؟

ليست النجاة قسوة، وليست تخلّيًا عن الإحسَـاس، بل هي فنّ التهذيب العاطفي، لا قطيعة ولا إنكار.

النجاة لا تقتضي أن يتحوّل القلب إلى صخرٍ صلد، بل إلىٰ جدارٍ حكيم، يعرف متى يفتح نوافذه للضوء، ومتى يُغلقها على الريح.

 

ننجو حين نعترف بصدقٍ أننا انكسرنا، لا عـار في ذلك.

ننجو حين لا نحمّل أنفسنا وزر النقاء، ولا نعاقبها على ثقةٍ منحتها لمن لا يستحق، ننجو عندما نختار المواصلة، لا من باب العناد، بل رأفةً بذاتٍ تُحب الحياة رغم كل شيء.

ننجو، لأنّ قلوبنا ما زالت تنبض، وما كان نابضًا، لا يستحق أن يُطفأ على يد أحد.

 

● كيف نعود إلى الحنان بعد أن ذقنا القسوة؟

نعودُ، نعم، لكن بتؤدة.. بخطىٰ مرتعشة، بيدٍ تخشى الارتجاف، نُعاود الاقتراب، لا من الآخرين فقط، بل من أنفسنا أولًا.. رُبّمـا لا نُجيد الحُبِّ كما كنّا، لكننا نُحبه بوعيٍ أصفى، وأقلّ ادّعاء.. نُعطي بقدر، لكن ما نُعطيه يكون من قلبٍ رمّمه الزمن، لا قلبٍ يتسوّل الترميم.

نُجرّب مرة أخرى، لا لأنّنا نسينا، بل لأنّنا نرفض أن نُدفن أحياء في مقابر الذكريات.. نُسامح، لا لأن من آذانا يستحق، بل لأنّنا نستحق حريّتنا من أَسرِ الماضي.

 

ونُحبّ الحياة مجددًا، لأنّ الحياة، رغم كلّ ما مر، ما زالت تُغري بالبقاء.

 

نحن أبناءُ الخيبات، الناجون من حبٍّ لم يكتمل، وأملٍ لم يُزهِر.. نعيش بنصف حلم، ونصف يقين، ونصف نور، لكننا نعيش، ورُبَّمَـا لا تعود قلوبنا كما كانت، لكن رُبّمـا تصبح أبهى لأنها؛ تعلّمت أن تحب دون أن تُهدر، وأن تُسامح دون أن تنسىٰ، وأن تبقى حيّة، حتى وإن مرّت على مشارف الموت.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *