كتبت: المحبة لله
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟» فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول الله. فأخذ بيدي فعَدَّ خمسًا، وقال: «اتقِ المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا وأحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب».
الرضا من الصفات والأخلاق الحميدة التي يتحلى بها الإنسان البصير والمؤمن، فهي صفة تجلب له الهدوء والتوازن النفسي، والقدرة على مكابدة الحياة والعيش فيها بأحسن ما يمكنه ذلك، فيكون فعّالاً نتيجة لتوازنه الداخلي وتسليمه لمجريات القدر، مع احتفاظه بعزيمته وإصراره وهمته.
الرضا ثمرة من ثمرات المحبة، وأعلى مقامات المقربين، وهو باب الله الأعظم، ومستراح المتقين، وجنة الدنيا؛ لأن الرضا يفرغ القلب لله، ومن ملأ قلبه من الرضا، ملأ الله صدره غنىً ومنًا وقناعة.
رضا الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها؛ لأن الرضا هي صفته والجنة هي من خلقه، بدليل قوله تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾.
يقول ابن تيمية:
«الرضا نوعان:أحدهما: الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويتناول هذا النوع ما أباحه الله من غير تعد إلى المحظور كما قال تعالى:﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ٦٢﴾ [التوبة:62]، وقال تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ٥٩﴾ [التوبة:59].
وهذا النوع من الرضا واجب، والدليل على وجوبه ما ورد في القرآن من ذم تاركه كقوله تعالى:﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ٥٨ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ٥٩﴾ [التوبة:58–59].
والثاني: الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل، وهذا الرضا اختلف فيه أهل العلم على قولين: بين الوجوب والاستحباب، وإلى هذا الأخير مال ابن تيمية، وقال إنما الواجب فيه الصبر.
واستدل على ذلك بما ورد من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا»(10) فالرضا غريزة والصبر المعول الذي يعتمد عليه المؤمن.
وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال سبحانه:﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾ [الزمر:7].[9]»
أثنى الله تعالى على أهل الرضا في مواطن كثيرة وندبهم إليه:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٠٠﴾ [التوبة:100]
وقال سبحانه وتعالى:﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢﴾ [المجادلة:22].
عن العباس بن عبد المطلب قال رسول الله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا».[20].
كان عبد العزيز بن أبى رواد يقول: «ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ولا في لبس الصوف والشعر ولكن الشأن في الرضا عن الله -عز وجل-».
كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى :
أما بعد فإن الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر.
ثمار الرضا على المرء الصابر المحتسب:-
ـ الفوز بالجنة والنجاة من النار.
ـ دليل على حسن ظن العبد بربه.
ـ دليل على كمال الإيمان، وحسن الإسلام.
ـ مظهر من مظاهر صلاح العبد وتقواه.
- سبب من أسباب الراحة النفسية والروحية.
ولعل من أعظم الثمار التي يجنيها أهل الرضا هي الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى، فإذا صبغ المسلم حياته برضاه عن مولاه، ورضي المولى جل وعلا عنه عاش عيشة هنية في الدنيا والآخرة.
الرضا عن الله بقضائه، والرضا بالدون من العيش، والرضا برزق الله تعالى وبما قسمه لك، والرضا بالمصيبة، يجعل المسلم في حياة مطمئنة، وهدوء بال، وراحة نفسية، إلى جانب تحصيل الأجر الكثير، ومغفرة الذنوب، كما سبق وذكرنا، هذا في الحياة الدنيا، أم الآخرة فالفوز بالجنان والرضوان.
![]()
