...
IMG 20251123 WA0048

بقلم /أحمد حمزة

طالب بكلية الألسن/ قسم اللغة الألمانية.

 

يا صباح الخير يا اللي معانا يا اللي معانا،

بتاع بواقي زيت الطعام، بواقي زيت السمك،

نادى وصحانا وصحانا.

 

نداء الرجل الذي يجمع الزيت المستعمل من المنازل أيقظني من نومي وفعل ما لم يفعله بائع الأنابيب. لا لصوته المرتفع؛ فبائع الأنابيب لا ينادي فقط بل يقوم بعمل موسيقي غاية في الإزعاج. أخشى أن ينحدر الذوق العام للحد الذي يأتي أحدهم وينشأ تراك لصوت القرع بالمفتاح على الأنابيب ويسمى هذا فن! أرجو أن يقبضني الله قبل هذا.

 

لكن ما جذب انتباهي في نداء الرجل الذي يجمع الزيت _ إذا استمريت في كتابة الرجل الذي يجمع الزيت في كل مرة أريد ذكره سيتحول المقال هذا إلى رواية؛ لذا سأطلق عليه لقب عم مُسعد _ هو سعر شرائه للزيت المستعمل من المنازل بسعر 35 جنيهًا للكيلو، في حين أن متوسط سعر لتر زيت الطعام في الأسواق هو 60 جنيهًا. فتأكد عزيزي القارئ أن هذا الزيت يُعاد تنقيته وتعبئته في زجاجات ثم يُباع لك مرة أخرى.

 

لن أزعجك بالحديث عن الجذور الحرة التي تدخل جسدك بعد تناول هذا الزيت المعاد تدويره، لكنها تلعب مع خلاياك مصارعة حرة تجعل منك مشروع ملف في معهد الأورام بكل تفاؤل. وأرجو ألا تسألني عن ماهية الجذور الحرة؛ فشعبتي كانت رياضة في الثانوية، ومعرفتي بالأحياء تقتصر على مندل وبازلائه.

 

أسباب السرطان في مصر لا تقتصر على الزيت المستعمل فقط. فمصر بلد كريم جدًا… كريم لدرجة أنّه يوزّع الأورام السرطانية كما يوزّع الباعة في الإشارات المناديل على السيارات. وفي كثير من الأحيان يصطادك الورم من بين ملايين مثلك، ثم يربّت على كتفك مُرحبًا بك، ليخبرك أنك أصبحت رقمًا في الإحصائية السنوية لمرضى السرطان.

 

الزيت المستعمل هذا يعود لحياتك كالذنب القديم… تظنه انتهى، لكنه يعود متنكرًا في زجاجة جديدة، ويفعل ما يفعله بهدوء القاتل المحترف.

 

وحتى أكون منصفًا، فالزيت المستعمل ليس وحده السبب. هناك الكثير من العوامل الأخرى، منها: تلوث المياه والهواء، العادات الغذائية الخاطئة، الإفراط في استخدام المبيدات في الزراعة، الأطعمة المصنعة، ضعف الفحص المبكر خصوصًا في سرطان الثدي، السجائر والتدخين بأنواعه، وانتشار ما يسمى بالفيب بين الشباب. ولا ننسى تدني مستوى الرعاية الصحية في مصر.

 

والغريب أن الوقاية من السرطان أوفر وأيسر وأسرع من علاجه، وأرى أنها السبب الأهم في تقليل أعداد المرضى. تخيّل أن بإمكانك منع سرطان الرئة بالإقلاع عن التدخين، ومنع سرطان القولون بالمشي نصف ساعة يوميًا، أو الوقاية من سرطان الكلى والبروستاتا بشرب كمية كافية من الماء، ومجرد فحص شهري يمكنه قهر سرطان الثدي.

 

النظام الغذائي الصحي يمثل تحديًا للمصريين بسبب الفقر وتدني مستوى المعيشة. فالسؤال ليس: هل هناك طعام صحي أم لا؟ بل: هل هناك طعام أصلًا أم لا؟ ومع ذلك، يمكن البدء بخطوات صغيرة يوميًا، فكل خطوة نحو غذاء صحي، نشاط بدني، وكشف مبكر هي استثمار في حياتك وحياة من تحب.

 

وفي النهاية، ليس الهدف فقط لفت انتباهك إلى الزيت المستعمل، بل التذكير بأن الوقاية هي أقوى سلاح في مواجهة السرطان. كل خطوة صغيرة نحو غذاء صحي، ممارسة الرياضة، الكشف المبكر، والابتعاد عن العادات الضارة، هي استثمار في حياتك وحياة أحبائك. تذكر، “الأورام علينا حق” ليست مجرد تهديد، بل دعوة للتغيير قبل فوات الأوان، وأظن أنك لا تحتاج نصيحتي بشأن بيع الزيت المستعمل لعم مسعد.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *