الكاتبة مها زايد
بمجرد أن دلفتُ إلى الجهاز، شعرت بذبذبات خفيفة تسري في جسدي، كأنها تُفيق الدم الراكد فيه ليسير من جديد، وتُشعل الهمة في عضلاتي الوَهِنة مرة أخرى.
انتهى الجهاز من عمله بعدما أصدر صوتًا يشير إلى ذلك، فخرجتُ منه إنسانًا جديدًا، وكأنني وُلِدتُ حديثًا، فأنا أقوى وأنشط وأنظف، حتى في ملابسي ورائحتي.
شعرت حينها أن رافع قد رحل، وانتهى معه زمن الفقر، ليحل محله راڤين، جالبًا معه الثراء والحظ الجيد.
فتحت باب الغرفة، لأجد أمامي شخصًا غريبًا يعتري وجهه الغضب. عندما تراه لا تعلم بماذا يشعر، فملامحه جامدة، ونبرته صارمة، وجسده ضخم وقوي كباقي سكان هذه المملكة. فعندما رأيته، خرج مني الكلام تلقائيًا، لأجدني أقول له:
– إنت مين يا عم إنت؟ وبتبصلي كده ليه؟
جاوبني بغضب جعلني أندم على تسرعي، فقال:
– احفظ أدبك وتحدث بأسلوب لبق أكثر، فأنت هنا في مملكة ميراچورا حيث الملوك والأمراء، لا في عالمك الحقير.
فهذا الأسلوب الذي كنت تتعامل به مع أمثالك في الشوارع لا يصح في هذا المكان الفخيم.
اعتذرت له عن أسلوبي، ووعدته أن تكون هذه المرة الأخيرة، وسألته عمّا ينوي أن يفعل معي.
قال لي نِراڤ بنبرة هادئة إلى حدٍّ ما، وكأنه يثبت لي أنه قبل اعتذاري:
– لن أفعل معك شيئًا سيئًا إلا إذا اضطررتني لهذا، فما دمت تُطيعني فأنت بأمان.
أعلم أن الملك ڤيرون نبهك مرارًا وتكرارًا على أن هذه المملكة لا تعترف بالحب، وأن الملك چرافين أخبرك أنك ستمر باختبارات كثيرة، فتذكر هذا دائمًا. والآن، انتهت مهمتي، وبإمكانك الانطلاق في المملكة كما تشاء.
بدأت أسير في شوارع المملكة، التي تثير فضولي في كل خطوة، فهي بها كل أنواع الملذات من طعام وشراب. فكيف لكل هذه الخيرات أن تكون موجودة أمامهم ولا يأكلون منها؟
ولماذا يزرعونها إذًا إذا لم يأكلوا منها؟ كنت أشعر بالملل رغم الانبهار، فكل شيء أصبح روتينيًّا. مرّ يومان وأنا لم أُصلِّ، فأنا لا أسمع أذانًا، ولا أرى أحدًا يُصلي.
فوجدت امرأة جميلة، يبدو عليها الطيبة والذكاء، تمر من أمامي، فأوقفتها لأسألها:
– لو سمحتِ يا فندم، كنت عاوز أعرف الساعة كام؟
ردّت عليّ سِرابيل (ملكة الجواري) بتعجب:
– ماذا تعني بساعة؟
جاوبتها ببساطة:
– أقصد كم الوقت معكِ؟
جاوبتني بدهشة مرة أخرى:
– نحن هنا لا نتعامل بالوقت، بل بالنسبة المئوية.
– نعم؟ إزاي يعني؟ مش فاهم!
كان هذا هو جوابي على كلامها، فردّت شارحة لي:
– أن لكل شخص في هذه المملكة بطارية، ولهذه البطارية نسبة مئوية تنقص درجة كلما مرّ عام، وأن عامهم يُضاهي عشرة أعوام في العوالم الأخرى.
لم أكن أستطيع استيعاب كل هذه الصدمات، فحياتهم أكبر من استيعابي، فرددت:
– طب بتعرفوا أنتم عندكم كام سنة إزاي؟
ردّت بابتسامة هادئة:
– نعرف من عمر البطارية كما أخبرتك، فإذا كانت نسبتك سبعون بالمئة، فأنت عمرك ثلاثون. فنحن أعمارنا لا تزيد عن المئة، كما هي نسبة البطارية الكاملة.
شكرتها وطلبت منها المساعدة في الوصول إلى الملك نِراڤ، ولحسن الحظ كان زوجها، فاصطحبتني لمقابلته.
وصلنا إلى القصر، والذي كان أفخم من بقية المملكة. لم أكن أتوقع أن يكون هناك أفخم مما رأيت، ولكن ما رأيته كان مدهشًا حقًّا.
فعلى الرغم من أنهم لا يعلمون عن عالمي ولا عالم الدنيا شيئًا، إلا أن التكنولوجيا لديهم تفوقنا.
فالأبواب تُفتح ببصمة العين، والنوافذ عبارة عن شاشة كبيرة تُظهر لك العالم الخارجي، ويمكن أن ترى فيها ما يدور في عقلك في صورة حيّة، وكأنها مشهد سينمائي.
انتهى شرودي بمجرد سماعي لصوت نِراڤ وهو يقول لي:
– أخبرتني سِرابيل أنك تُريد التحدث معي، ماذا تريد؟
بدأت حديثي بسؤال وهو:
– أنا جيت هنا علشان أفهم، أنتم إزاي ممنوع عندكم الحب؟ وإزاي بتتزوجوا؟
ردّ عليّ بجملة غريبة، خالية من المشاعر:
– ومن قال لك إن الزواج يلزمه حبًّا؟ فنحن نتزوج رغبةً في البقاء واستمرار النسل، فنحن نعرف جيدًا كيف نتحكم في مشاعرنا.
– بس ده يبقى تشبّه بالحيوانات!
كان ردي مندفعًا للمرة التي لا أعلم عددها، فندمت كالعادة، عندما طلب من الحراس أن يسجنوني.
توسلت له واعتذرت كثيرًا، ورجوته أن يضع صدمتي والفجوة التي أقع فيها بانتقالي لعالم مختلف عن عالمي فجأة في الحسبان، فتقبّل اعتذاري،
وهو يذكرني بأن هذه الفرصة الأخيرة، وليس مسموحًا لي بالخطأ مرة أخرى، فإن ارتكبتُ أي خطأ مرة أخرى، فستكون نتيجته الطرد من هذا العالم وعودتي إلى حيث أتيت.
شكرته ووعدته أن لا أُخطئ مرة أخرى، وأكملت حديثي:– بس أنا كان عندي سؤال تاني يا ملك، لو مش هزعجك.
جاوبني بنفاد صبر:
– تحدث مباشرة، فأنا لا أملك الوقت لأُضيعه معك في تفاهاتك هذه.
رددت عليه بإحراج شديد، وأنا أقول له:
– كنت عاوز أعرف، أنتم بتُصلّوا إزاي ومفيش أذان؟
نظر لي بصدمة، قائلًا:
– صلاة؟ عن أي صلاة تتحدث؟ نحن لا نتبع أي دين، فلماذا نُصلي؟
كانت الدهشة تكسو وجهي، مما جعله يُلاحظ، فأكمل كلامه:
– ولكن لا تقلق، فنحن هنا نحترم معتقدات الآخرين، ولن يكون عدم اعتناقنا لأي ديانة سببًا في جعلك تتخلى عن عباداتك.
ردّ راڤين بتعجب.
أنا محترم تفهّمك جدًا، بس إزاي هتساعدني أقوم بعباداتي وإنتوا مش بتتعاملوا هنا بالساعة زينا!
نِراڤ: لا تقلق، سوف أتولى الأمر.
راڤين: طب إزاي؟ اشرحلي.
أخبره نِراڤ بالخطة، والتي هي كالتالي:
سوف يتفقد نِراڤ عالم راڤين، وبمجرد سماعه للأذان سوف يأتي ويخبره، وكذلك الصوم، سوف يخبره عندما تأتي الأيام المفروضة.
جاوبته بلطف: بس ده مش هيبقى مجهود عليك؟
جاوبني برقة لأول مرة:
نعم، بالتأكيد، ولكن هذا العناء سيهون بسعادتك.
سألته بعد أن أنهى حديثه:
ينفع أحضنك؟
كان جوابه هو مبادلتي العناق، وهو يقول:
بالطبع، يمكن.
ليتحول مرة أخرى قائلًا:
والآن، اذهب، فلقد ضاق صدري منك.
انصرفت على الفور، حتى لا أُثير حنقه، ويُعيدني إلى حياتي البائسة مرة أخرى.
#يتبع
![]()
