كتبت: المحبة لله
بأحد أزقة مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وُلد طفل في الثالث من ديسمبر عام 1996، حمل اسم “أنس جمال الشريف”.
كان المخيم حينها مزدحمًا بالأحلام المؤجلة، والعيون التي تبحث عن بصيص أمل بين ركام الحرب، لكن في عيني أنس كان هناك شيء مختلف… بريق يشبه عدسة كاميرا سترافقه في كل دروبه القادمة منذ صغره.
كان مولعًا بالحكايات والصور.. يقف أمام شاشة التلفاز الصغيرة في بيتهم المتواضع، يراقب المراسلين وسط الدخان والنار، ويتساءل: كيف يستطيعون أن يقفوا هناك؟ كيف يوصلون الحقيقة؟
ومع مرور السنوات، قرر أن يحمل هو الكاميرا، ليصنع الصورة بنفسه ويكون هو الصوت الذي لا يخاف.
دخل جامعة الأقصى ليدرس الإذاعة والتلفزيون، وتخرج عام 2018، حاملاً معه طموحًا أكبر من حدود غزة، بدأ طريقه كمصور متطوع في شبكة محلية صغيرة، يتنقل بين الأحداث بجهد شخصي وكاميرا متواضعة.
لم يكن يبحث عن شهرة، بل عن”الصدق في الحكاية” شيئًا فشيئًا عرفه الناس، وصوره التي وثّقت وجع غزة وصلت إلى القلوب قبل الشاشات؛ حتى صار أحد مراسلي قناة الجزيرة، الوجه الذي يحكي للعالم ما لا تراه العدسات البعيدة.
ثم جاء اليوم الذي غيّر كل شيء..7 أكتوبر، يوم اشتعلت فيه الحرب واشتد الحصار، وانقطعت الكهرباء والمياه؛ لكن أنس لم يغادر، بقي في شمال غزة، يحمل كاميرته كأنها درع من نور.
يصوّر البيوت المهدّمة، والأمهات اللواتي يودعن أبناءهن، والأطفال الذين يركضون نحو الحياة رغم الموت.
كان يعلم أنه مستهدف، وأن الاحتلال هدده مرارًا: “إما أن تتوقف عن التصوير أو تغادر الجنوب، وإلا أنت وعائلتك ستُستهدفون.” لكنه رفض الرحيل وقال بثباتٍ وإيمان: أنا مش بس مراسل.. أنا واحد من الناس دول.” وفي عام 2023، جاء القصف إلى بيته، فدُمّر المنزل في جباليا، وارتقى والده شهيدًا ورغم الوجع، لم يتوقف أنس.
عاد بعد أيام إلى الميدان، بصوتٍ مبحوح ووجهٍ شاحب، وقال أمام الكاميرا: حتى لو فقدت كل شيء مش هفقد صوتي. في أحد تقاريره، كانت الكاميرا تهتز بين يديه وهو يبكي — أمامه أم سقطت شهيدة بعدما كانت تبحث عن ابنها بين الأنقاض.
ذلك المشهد انتشر في كل مكان، لأن الناس لم يروا مجرد صحفي؛ بل رأوا قلبًا فلسطينيًا ينبض بالحقيقة، وفي العاشر من أغسطس عام 2025، أثناء تغطيته للقصف قرب مجمع الشفاء الطبي، استُهدفت خيمة الصحفيين. جاء الصاروخ الغادر، وسقط أنس بين زملائه، تاركًا وراءه الكاميرا التي شهدت على وجعه الأخير رحل الجسد، لكن صوته ظل يدوّي في كل بيت عربي يعرف معنى أن تكون “صحفيًا من غزة”.
قبل استشهاده بشهرين، كتب وصيته كأنه كان يشعر بما سيأتي: إن وصلتكم كلماتي، فاعلموا أن إسرائيل نجحت في قتلي، لكنها لن تقتل الحقيقة.
أوصى بأن تُحفظ فلسطين، وأن تظل الكاميرا صادقة، وأن لا يسكت أحد عن الظلم.. وكتب لعائلته الصغيرة: لابنته شام التي لم تسنح له الفرصة أن يراها تكبر، ولابنه صلاح الذي تمنى أن يصبح مثله، شجاعًا وصادقًا. رحل أنس الشريف؛ لكنه ترك خلفه قصة تبكي وتُلهم، وتقول لكل العالم: إن الكلمة قد تُدفن، لكن “الصوت الحر لا يُقتل” وأن الكاميرا قد تسقط من يد صاحبها.
لكنها تبقى شاهدة على التاريخ، تنقل للعالم حكاية شعبٍ لا يموت، مهما سقط من أبطاله.
![]()
