...
IMG 20251014 WA0092

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

تأخذ وضع القرفصاء على فراشها ذات الألوان القاتمة، تشرد طويلا لساعات فهى لا تعرف ماذا تفعل؟! تتذكر ما قام الطبيب بإخبارها به، تبكي بشدة على ما آلت إليه الأمور وما أصابها من وهن ومرض، لتتسائل بينها وبين نفسها هل هذا نهاية المطاف أم يمكن الرجوع؟!

 

 

خلال ذلك تصدر معدتها أصوات قوية، تلاحظ وجود إنتفاخ فيها، يظهر الألم على وجهها البرئ الشاحب، أسينتهي كل شئ بمجرد معالجة السبب المحتمل وهو السكري أم ما هو مصيرها؟

 

 

حيث قيل لها أفكار سوداوية تراودها، تغرق في أفكارها مرة أخرى فترى ملف قياس السكري مرتفع، فتصرخ لتبتعد هذه الخاطرة فقلبها لا يتحمل، مثل تلك الأشياء،لم تكن الصرخة مجرد تعبير عن الخوف، بل كانت محاولة لتمزيق ذلك الحجاب الأسود الذي كبل روحها. نظرت إلى جهاز القياس وكأنه عدو يتربص بها، لكن صوتاً خفياً في أعماقها بدأ يهمس: “هل الأرقام هي من تحدد مصيركِ، أم أنتِ؟”. مسحت دموعها بظهر يدها المرتجفة، وقررت أن المواجهة تبدأ من الاعتراف لا الهروب.

تذكرت كلمات الطبيب حين قال إن السكري ليس حكماً بالإعدام، بل هو “صديق ثقيل الظل” يحتاج إلى ترويض. نظرت إلى النافذة حيث بدأ خيط رفيع من ضوء الفجر يتسلل عبر الستائر، وكأنه يطرد “الغمامة السوداء” تدريجياً. أدركت أن الألم المعوي والوهن ليسا إلا استغاثة من جسدها لكي يلتفت إليه، لا لكي يودعه.

قامت من وضع القرفصاء ببطء، وكأنها تنفض غبار السنين. اتجهت نحو المرآة، رأت شحوبها، لكنها رأت أيضاً بريقاً لم ينطفئ بعد في عينيها. بدأت تضع خطة؛ ليست فقط لموازنة السكر، بل لاستعادة شغفها المفقود. السكري قد يسلبها السكر في طعامها، لكنه لن يسلبها حلاوة الأيام القادمة. ببطء، تراجعت الأفكار السوداوية، وحلّ مكانها إصرار هادئ بأن هذه ليست النهاية، بل هي “بداية الانضباط”.

 

 

تكن المعركة الحقيقية في وخزة الإبرة أو في حموضة الدواء، بل كانت في تلك “الغمامة” التي غطت بصيرتها وجعلتها ترى نفسها مجرد جسد معطوب. قررت في تلك اللحظة أن تتوقف عن جَلْد ذاتها؛ فخوفها من المرض كان ينهش روحها بأكثر مما يفعله السكري بدمها. سألت نفسها: “لماذا أمنح هذا الداء سلطة تعريف مَن أنا؟”.

بدأت رحلة التحرر النفسي حين استبدلت كلمة “لماذا أنا؟” بكلمة “كيف سأعيش؟”. خلعت ثوب الضحية الذي ارتدته لشهور، وبدأت تمارس طقوساً صغيرة لتستعيد سيادتها على يومها؛ فصارت رائحة القهوة الصباحية انتصاراً، والمشي لدقائق تحت الشمس إعلاناً للمقاومة. أدركت أن السكري لم يأتِ ليقتلها، بل جاء ليذكرها بقدسية الجسد الذي أهملته طويلاً.

تلك الأفكار السوداوية التي كانت تلتهم هدوءها، بدأت تتلاشى كلما غدّت عقلها بالقراءة والتأمل. لم يعد ملف القياس المرتفع يثير صراخها، بل بات إشارة تقابلها بهدوء الحكماء، قائلة: “سنصلح هذا غداً”. في تلك الليلة، لم تنم بوضع القرفصاء المنكسر، بل استلقت بسلام، شاعرةً لأول مرة بأن الضوء الذي كانت تبحث عنه في الخارج، لم يكن إلا شعلة خامدة داخلها، وقد آن أوان إشعالها

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *