الكاتبه إيمان شلاش
قصة: “إيمان والفشل”
يؤجل الله الخير ليرى صبرك
كان قد مضى نصف الليل ولا زالت الطاولة تحدّث شغف عن قصص الناس الذين جلسوا بقربها.
الطاولة: لقد أخبرتك بقصتين، ألا زلتِ تريدين المزيد من القصص أم ستخلدين إلى النوم؟
شغف: لا، لن أنام.. لقد استمتعت كثيراً بكل هذه القصص وأريد أن أسمع المزيد منها.
الطاولة: إذاً سأحدثك عن قصة إيمان، فهي عجولة وفضولية مثلك.
شغف: من إيمان؟
الطاولة: إيمان شابة جميلة من هذه المدينة، تنتمي لعائلة محافظة، كما أنها لم تنل ما تحتاجه من الحب والحنان في حياتها. وكان ذنبها الوحيد لحرمانها من حب عائلتها أنها ولدت بنتاً، كان يجب أن تولد ولداً لكي يتم الاهتمام بها. ولكن على الرغم من كل الضغط النفسي والحرمان الذي عاشته، إلا أنها عملت ودرست وتخرجت، وكانت هي المعيلة الوحيدة لنفسها. كان كل شيء في حياتها روتينياً وكئيباً إلى أن تخرجت وظنّت أن الحياة الوردية هي من ستعم أيامها، ولكنها صُدمت بعد التخرج أنه لا توجد وظائف مناسبة لها. حاولت كثيراً، وكان كل من حولها يتوظف ويتم اختياره إلا هي.. كانت تذبل كشمعة كادت أن تنطفئ. لا دعم نفسي ولا دعم مادي من العائلة، كان كل شيء يخنقها.
شغف: لهذه الدرجة؟
الطاولة: نعم، لهذه الدرجة وأكثر. لقد شعرت بحرارة كل الدموع التي كانت تسقط من عيونها عليّ، كانت تبكي بقهر، فقد خسرت سنتين من عمرها بعد التخرج وهي لا تزال تحاول الحصول على وظيفة. رغم أنها لا تهتم إن كان العمل بشهادتها أو لا، لكن القدر لم يأتِ لها بفرصتها بعد.
شغف: وهل كانت قادمة إلى هنا من أجل السفر والبحث عن عمل؟
الطاولة: لا، لأن عائلتها لن يتقبلوا فكرة سفرها بعيداً وحدها. جاءت إلى المحطة لأنها كانت تختنق من الفشل والتعثر والاكتئاب. ظنّت أنها عندما تجلس هنا وتراقب الناس ستخفف عن نفسها عندما ترى من يسعون ويذهبون إلى عملهم، أو أنها جاءت لتجلد نفسها وتحرق قلبها على ما فات من عمرها بلا هدف، لا أعرف.
شغف: وما الذي حدث؟
الطاولة: عندما جلست بالقرب مني بدأت بالبكاء، وبدأت تنظر بعين القهر إلى كل المسافرين.. لكنها هدأت عندما شاهدت فتاة صغيرة مشردة مبتورة اليد اليسرى، تبيع الورد على رصيف الطرقات، فذهبت واشترت منها وردة. وجلست تتأمل قوة تلك الفتاة، فهي صغيرة ولكنها قوية، لا زالت تحاول مواجهة الحياة رغم إعاقتها البدنية. وبعدها بقليل جلس رجل كبير في العمر يشكو من ألم برأسه وهو متجه إلى العاصمة كي يتعالج.
كان هنالك رسائل ربانية لإيمان كي تحمد الله على ما منّ به عليها، ولكي تكون قوية وصبورة، فما تأخر من شيء فهو لحكمة وغاية. لذلك حفرت تلك العبارة قبل مغادرتها.
شغف: أي عبارة؟.. أين هي؟
الطاولة: هنالك عند الشق الذي في أعلاي.
شغف: “يؤجل الله الخير ليرى صبرك”.
الطاولة: نعم، هذا ما كتبته قبل أن تغادر، وهي مقتنعة بأن كرم الله عظيم وأنها ستحظى بما تستحقه، ولكن عليها الصبر.
يتبع
![]()
