...
IMG 20260121 WA0305

 

الكاتبه أمل سامح 

 

الجزء الثاني: الشيء الذي كان ينتظر

 

م تسأل من يكون.

ففي هذا المكان، الأسئلة ليست بريئة،

والأسماء ليست مجرد أصوات…

هي مفاتيح.

ظل جسدها ساكنًا، لكن شيئًا بداخلها كان ينهار ببطءٍ محسوب، كجدارٍ قديم يعرف اللحظة التي سيسقط فيها لكنه يصرّ على الوقوف ثانية إضافية.

الصوت لم يأتِ من خلفها فقط،

بل من عمقٍ تعرفه جيدًا…

من المسافة الضيقة بين الذاكرة والذنب.

قال، أقرب من قبل:

— ما زلتِ في الزاوية نفسها… كأنكِ لم تتعلمي أن الوقوف لا ينقذ أحدًا.

ارتجفت أصابعها.

لم يكن ذلك خوفًا خالصًا،

بل ذلك النوع الأثقل…

الذي يشبه الاعتراف قبل النطق به.

وتذكّرت.

تذكّرت الليلة الأولى،

حين لم تكن الغرفة مظلمة،

ولا الجدران متشققة،

ولا الشموع ضرورية.

كانت هناك أصوات، وضحكات، وطمأنينة زائفة قيلت بسهولة:

«لن يحدث شيء… ثقِي بي.»

خرجت منها ضحكة قصيرة،

حادة،

مكسورة،

كصوت زجاجٍ يُسحق داخل الصدر.

— قلتَ إنني سأكون بأمان…

همست،

غير متأكدة إن كانت تخاطبه…

أم تحاكم نفسها أخيرًا.

تحركت الجمجمة.

ليس كثيرًا.

بما يكفي فقط لتلفت انتباهها.

لم تكن شاهدًا على ما حدث.

كانت نتيجته.

قال الصوت، بنبرة هادئة بشكلٍ غير إنساني:

— وكنتِ كذلك…

إلى أن أغلقتِ الباب.

شهقت.

لا…

لم تُغلقه.

هي فقط…

ترددت.

لكنها تعلم الآن:

في هذا المكان،

التردد ليس حيادًا.

إنه اختيار.

أصدر الجدار المتشقق أنينًا خافتًا،

كأن شيئًا خلفه يحاول تذكّر طريق الخروج.

الشمعة الأخيرة بدأت تذوب أسرع،

لا لأن الوقت عاد…

بل لأن الصبر انتهى.

— لم أكن أعرف…

قالت، وصوتها تهاوى.

— كنت خائفة.

ضحك.

ضحكة منخفضة، بلا استعجال،

ضحكة تعرف أن الحقيقة لم تعد بحاجة للهرب.

— الجميع خائفون…

لكن ليس الجميع يتركون الآخرين في الظلام.

شعرت بأنفاسه قرب أذنها.

باردة.

ثقيلة.

مألوفة بشكلٍ مخيف.

لم ترَ وجهه.

ولم تحتج.

بعض الوجوه لا تُنسى…

حتى بعد أن تفقد لحمها.

همس:

— تعرفين لماذا لا ينتهي الليل هنا؟

لم تسأله.

كانت الإجابة تنمو في صدرها منذ سنوات.

— لأن أحدهم لم يغادر…

قالت بصوتٍ مبحوح.

ساد الصمت.

ذلك الصمت الذي يأتي قبل الانكسار.

ثم قال، ببطءٍ متلذذ:

— لا…

لأنكِ لم تغادري بعد.

في تلك اللحظة،

تداعى كل شيء.

الغرفة لم تكن تحتفظ بالذكريات.

هي كانت الذاكرة.

والشيء الذي لازمها طوال هذه السنوات…

لم يكن ينتقم.

كان ينتظر لحظة الصدق.

والصدق هنا…

أقسى من أي عقاب.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *