الكاتب إسماعيل أبوزيد
جلس حسن في شرفة منزله بالدور الأول، يراقب الشارع الضيق وهو يبتلع ما تبقّى من ضوء المساء. كان قد عاد لتوّه من زيارة صديقه الكاتب، ذاك الذي يبدو أن الحظّ عقد معه هدنة قصيرة ثم انقلب عليه كعادته.
تذكّر حسن مأساته؛ كاتب شاب يكتب المقالات والقصص القصيرة، أنهى روايته الأولى أخيرًا، واعتمدت لتُعرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين.
استعدّ مع زملائه من شباب الكتّاب للقاء طال انتظاره: يوم يلتقطون فيه الصور، يضحكون، ويمسكون كتبهم كأنهم يمسكون الحلم نفسه وقد صار ورقًا.
لكن القدر—كعادته—سبقهم بخطوة. هجمة مرضٍ عنيفة عصفت بجسد صديقه، أقعدته ومنعته من الذهاب في الموعد الذي انتظره طويلًا.
قال له حسن وهو يواسيه:
— لا تحزن…
ستتعافى قبل أن ينتهي المعرض، وسنذهب معًا، ونلتقط أجمل الصور مع روايتك. سنصنع من الألم ذكرى سعيدة.
ابتسم صديقه ابتسامة باهتة، ثم قال:
— ما حدث أعادني لذكرى قديمة… من الطفولة.
وحكى.
قال إنه كان في المرحلة الابتدائية، وكان أخوه—الذي يكبره بثلاث سنوات—بطلاً لمسرحية أعدّتها المدرسة الإعدادية. كان يتدرّب كل يوم، يحفظ دوره، ويجتهد، وكان هو يقف بجواره مشجّعًا،
وقبل العرض بيومين، أصابه مرضه المعتاد؛ نزلة برد قاسية مصحوبة بحمّى، أسقطته في الفراش ستة أيام كاملة.
قال:
— لا أنسى يوم جاء أخي ينظر إليّ… ولا أنسى عينيه.
كانت تقول: خذلتني.
لم يكن لأخيه غيره، يجلس أمامه، يصفّق، يمنحه الطمأنينة بوجوده. حاول أن يوقظه، أن يسحبه من غيبوبته، لكن المرض كان أقوى.
— كنتُ—رغم ضعفي—أريد أن أراه على المسرح، أصفّق له، أقول له:
أنا هنا… لكنني لم أستطع.
صمت قليلًا، ثم أنهى حديثه بجملة واحدة:
— يبدو أن القدر يحبّ أن يكرّر دروسه… فقط يغيّر الفصول.
ظل حسن في شرفته بعد أن عاد، والشارع كما هو، والليل يهبط ببطء.
فهم الآن أن بعض الأحلام لا تُؤجَّل، بل تُسرق في اللحظة الأخيرة، وأن القدر لا يكسرنا دفعة واحدة… بل يعلّمنا الصبر بتكرار الخسارة.
![]()
