...
IMG 20251224 WA0045

 

الكاتب جمال عبدالجبار تميم

 

في ليلةٍ تجلى فيها القمر كعينٍ لؤلؤيةٍ توسطت كبد الظلام الحالكِ، رفرفت فراشة بجناحيها فوق غابةٍ هادئة، كانت تشبه في حركتها طفلة صغيرة تعلمت الرقص حديثًا.

 

رأت ضوءًا يتوهج على إحدى الأشجار، فقادها حسها الرقيق للتوجه نحوه، وجدته خيوطًا متلألأة تشكل عشًا من نور، فجأة ظهر أمامها عنكبوت أحمر بعيون كالياقوت، كان يمشي بثقة على أحد الخيوط كأنه جنرال عسكري.

 

اقترب منها وهمس بهدوء: أدعوكِ لزيارة منزلي المتواضع، فتفضلي أيتها الحسناء ولا تقفي هكذا في الهواء، شعرت الفراشة بالقلق فلم تحرك ساكنًا.

 

فقال لها متغزلًا بصوت كأنه موسيقى: ما أجمل فستان الألوان الذي ترتديه! ويال روعة عينيكِ الواسعة! إن شعرك كأنه بحر من ضوء ذهبي، دعيني أتلمسه من فضلك، هكذا طلب منها.

 

استسلمت الفراشة لعذوبة كلماته واقتربت من العنكبوت، فمد إصبعًا مسح به على شعرها وجناحيها ثم رفع ذقنها برفق نحوه، فنظرت إليه بسعادة، طلب منها مرةً أخرى الدخول لمنزله، هذه المرة لم تقاوم بل اندفعت بمرح تجاه بيت العنكبوت، لكنها أُصيبت بالهلع عندما وجدت نفسها غير قادرة على الحركة.

 

التصقت الخيوط بها كأنها ذراع أمسك بها، عبثًا حاولت تحريك جناحيها، نفضت بأرجلها كثيرًا دون جدوى، ضحك العنكبوت بقوة حتى اهتزت الخيوط ثم اقترب منها ببطء، فشعرت الفراشة بالرعب.

 

وقف العنكبوت بجانب رأسها وأمسك عنقها المرتجف برفق ثم همس: سينتهي كل شيء سريعًا، لا داع للقلق ثم فتح فمه فبرز نابان كأنهما خناجر.

 

انحنى العنكبوت وغرز نابيه في عنق الفراشة الرقيق وأخذ يمتص دمها، ارتجفت قليلًا ثم سكن جسدها وتيبس، بعد أن فرغ العنكبوت من شرب الدم، نقر على صدر الفراشة فتكسر كأنه من فخار، فادخل يده وأخرج قلبها، كان جافًا، فارغًا ومتهدلًا، اخذه وعلقه على غصن شجرة بجوار كثير من القلوب المتدلية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *