الكاتبة عاليا عجيزة
تقف الروحُ هنا على حافةِ مشهدٍ لا يُشبهه شيء، يفصلها عن “قبلة الدنيا” لوحٌ زجاجيٌّ شفّاف، لكنه لا يملكُ صَدّ الأشواق التي تعبرُه دون استئذان. خلف هذه النافذة، يمتدُّ المدى في بياضٍ مهيب، زحامٌ يضجُّ بالتسابيح، وطوافٌ لا يهدأ حول الكعبة التي تبدو من بعيد كقلبٍ نابضٍ يضخُّ الطمأنينة في عروق الأرض. هناك، في الأسفل، تذوبُ الفوارق والأسماء، ويصبحُ الجميعُ خيطاً واحداً في ثوبِ الخضوع والرجاء.
أما هنا، في الداخل، في هذا الركن الهادئ من الغرفة، تكتملُ فصول الحكاية. المصحفُ المفتوحُ على “الرَّحل” الخشبي ليس مجرد كتاب، بل هو الدليل الذي أرشد الخطوات إلى هذا الموعد. المرأة الجالسة في بياضها، وكأنها قطعةٌ انسلخت من ذلك الحشدِ لتختليَ بخالقها، تديرُ ظهرها لضجيجِ الحياة وتوجّهُ بوصلة قلبها نحو “العتيق”.
الأكفُّ المرفوعةُ ليست مجرد حركة جسد؛ إنها القناطر التي تعبرُ عليها الأماني المكسورة لتعودَ مجبورة. هي لا تنظرُ إلى الكعبة بعينيها فحسب، بل ببصيرةٍ تدركُ أنَّ المسافة بين تعبها وراحتها هي هذه “اللحظة” تحديداً. خلف الزجاج سعيٌ وضجيجٌ مقدس، وفوق السجادةِ يقينٌ صامتٌ يهمس: “يا رب، قد جئتُك بكلي”.
إنها لحظةُ التماسِ النور، حيثُ يتحدُ جلالُ المكان بجلالِ الدعاء، لتصبحَ الغرفةُ محراباً، والنافذةُ بوابةً نحو السماء، والقلبُ طائفاً لا يكفُّ عن الهروب من ضيقِ نفسه إلى سعةِ رحمة الله. هنا، يسقطُ كلُّ تعبٍ، وينتهي كلُّ اغتراب، فخلف هذا الزجاج.. يسكنُ الأمان.
![]()
