كتبت: نوران عمرو
في عالمٍ لا يعرف التوقّف، حيث يُقاس النجاح بعدد المهام المُنجزة، وسرعة الرد، وعدد ساعات العمل، يواجه الإنسان معركة خفيّة لا يتحدّث عنها كثيرون: الاحتراق النفسي (Burnout).
هذا التعب العميق الذي لا يزول بالنوم، ولا يُداويه السفر، ولا يُفهم بسهولة حتى من أقرب الناس. هو شعور بالاستنزاف، فقدان الحماس، والاغتراب عن الذات. يأتي بهدوء، يتسلل إلينا على هيئة إرهاق خفيف، ثم يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى فقدان للشغف، وكراهية للعمل، وحتى الحياة أحيانًا.
الاحتراق النفسي ليس مجرد إرهاق عابر، بل حالة نفسية معقّدة تعكس خللًا في التوازن بين العطاء والراحة. غالبًا ما يُصيب الأشخاص الطموحين، المجتهدين، أولئك الذين يحمِلون على عاتقهم كل شيء ولا يطلبون المساعدة، الذين لا يعرفون متى يقولون “كفى”.
الخطير في الاحتراق النفسي أنه لا يظهر فجأة. بل يتكوّن على مدى شهور وسنوات من الضغط المتراكم، والإحساس باللاجدوى، وتراكم المسؤوليات، وقلة التقدير. ومع الوقت، يبدأ الجسد في إطلاق إشاراته: صداع دائم، أرق، توتر، آلام متفرقة، وربما نوبات هلع أو بكاء بلا سبب واضح.
ولأن مجتمعاتنا كثيرًا ما تُمجّد العمل المفرط وتربط بين الإنتاجية والقيمة الشخصية، يُنظر إلى من يُصاب بالاحتراق النفسي على أنه “ضعيف” أو “غير قادر على التحمل”. لكن الحقيقة أن الاعتراف بالتعب قوة لا ضعف. هو أول خطوة على طريق الشفاء.
المواجهة تبدأ من الوعي. أن نُعيد تعريف النجاح، لا على أنه إرهاق بلا توقف، بل توازن بين الإنجاز والراحة. أن نضع حدودًا واضحة بين العمل والحياة، ونتعلم قول “لا” دون شعور بالذنب. أن نُعطي الأولوية لصحتنا النفسية كما نهتم بالجسدية تمامًا.
وأخيرًا، علينا أن نُدرك أن الاحتراق النفسي ليس حتميًا، لكنه نتيجة طبيعية لإهمال النفس طويلًا. والعودة إلى أنفسنا تبدأ بإعادة الاتصال بما نحب، وبما يُشعرنا بالسلام، ولو لساعة واحدة في اليوم. فالصحة النفسية ليست ترفًا… إنها ضرورة.
![]()
